الصورة المقلوبة
كان يظنّ أن الزواج يشبه لوحةً يرسمها اثنان معًا، يسكب فيها الزوجان ألوانهما لتكتمل اللوحة، لكنه بعد ثلاثة أشهر من الزواج بدأ يتسرب إلى قلبه إحساس بأن لوحته مقلوبة، وأن الألوان لا تتناغم كما كان يحلم.
«هاني» هادئ الطباع، يحب التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة طعمها، يستيقظ باكرًا ليُعدّ فطوره بأناقة، يختار الأكواب بعناية، فللشاي أكواب تختلف عن أكواب العصير، وللقهوة فناجيل خاصة، ويزيّن المائدة بوردةٍ أو غصن ريحان تعبيرًا عن الحب والتقدير.
لكن زوجته «مسك» ترى الأمر عبئًا لا ضرورة له،
فهي لا تحب الاستيقاظ مبكرًا، وتبدأ صباحها بفنجان قهوة في أي كوب يكون أمامها.
وما أن يشمر عن ساعديه ليدخل المطبخ، حتى تفتح جوالها وتسارع إلى تطبيق المطاعم وتقول: لا تتعب نفسك، عشر دقائق ويصل الطعام.
هو يعشق الأسواق، يتجول في الممرات كطفلٍ ينبهر بكل جديد، يبتسم وهو يختار الفاكهة ويقارن بين الأسعار.
أما هي، فترى السوق ضجيجًا لا يُطاق، تشتري ما تحتاجه عبر الهاتف، وتستقبل الطلبية ببرود.
هو شاعر اللحظة، يرسل رسائل صباحية بلهفة:
وأجمل التصبيحات ”بصوتك“ صباح الحب
تقرأ الرسالة وتكتب: هل أخرجت معك كيس القمامة؟
يحب العناق لأنه يشعر فيه بدفء الطمأنينة، وهي تنسحب منه كل مرة كأنها تفر من واجبٍ لا تحبه.
ذات مساء استقبلها مادًا ذراعيه، فتجاوزته دون كلمة، وأغلقت باب الغرفة خلفها.
بقي واقفًا للحظة، ثم أنزل ذراعيه كمن تذكّر فجأة أنه وحده.
يتحدث بصوتٍ خافت، كمن يخشى أن يجرح الهدوء بكلماته، وهي ترفع صوتها لتثبت وجودها، حتى صارت الكلمات بينهما معركةً لا تنتهي.
مرة قال: أنا لا أطلب منك الكثير.. فقط أحسي بي.
قالت: لا أحب تمثيل دور المرأة التي تفعل ما يريد زوجها لا ما تريده هي.
كان كثيرًا ما يذهب لزيارة أهله وحيدًا، ولأنها تتعمد الغياب، قالت له أخته: إنك تعيش في علاقةٍ مقلوبة.
يبتسم ويجيب: ربما تكون الصورة مقلوبة، لكنها ما زالت تحملني… يومًا ما سترى «مسك» الجمال من الزاوية التي أراها.
في إحدى الليالي، بينما كان يطهو العشاء على لحن قصيدة «خطّار اجاني» يرددها مع نفسه، اقتربت «مسك» بخطى مترددة، جلست إلى المائدة بصمت.
لاحظ ارتباك يديها وهي تعبث بطرف المفرش، كأنها تبحث عن كلمة لا تعرف من أين تبدأ، بادرها: الكلمات مجانية، لن يكلفك قول مساء الخير أي شيء.
كانت كل مرة يقترب منها، تتراجع خطوة، لا لأنه لا يشبه الأمان… بل لأنه يشبهه أكثر مما تحتمل.. لذا أجابت: أنا لا أكره لغتك أو تصرفاتك، لكنني أخاف أن تخذلني حين أحتاجك.
قال: وكيف يخذل حبيب حبيبته؟
قالت وهي تتجنب النظر إليه: كيف أطمئن وقد خذل أبي أمي قبلك؟
وضع يديها بين يديه وقال: لكل رجل طريقته في الحياة.. وجه نظره لعينيها مباشرة وأكمل: هل سأكون مختلفًا؟ لا أعلم الغيب.. ما أعرفه أنني أكره الغياب.
وكأنها تختبر فكرة الأمان قبل أن تصدقها، تركته يضع يديه فوق يديها، وبقيت ساكنة، وقالت: ربما لا أجيد بعد كيف أحبّ بطريقتك.. لكنني أتعلم.
ابتسم وهو يمسح دمعة اخترقت الصمت وهمس: ربما بدأت ألوان اللوحة تكتمل.
















