آخر تحديث: 1 / 2 / 2026م - 12:59 م

ترمب يستبدل صقراً بصقر!

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

هبطت الخميس الماضي أسعار الذهب والفضة هبوطاً رأسياً بعد تصاعد مذهل على مدى استمر لأكثر من عام، ولعل السبب الرئيس للتراجع الكبير لأسعار ”النقدين“ هو إعلان الرئيس ترامب عن نيته ترشيح كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفدرالي خلفاً لجيروم بأول الذي تنتهي ولايته في مايو 2026. وطوال الوقت خمن المستثمرون أن الرئيس ترامب سيختار بديلاً عن باول يستجيب لمطالبات الرئيس خفض سعر الفائدة سريعاً، واستمر يضغط على بأول مطالباً إياه خفض سعر الفائدة، ويتجاوز أحياناً بعتيه بنعوت قاسية مقللاً من كفايتهِ لشغل منصبه. وهكذا رسخ وسط هذا الضغط المتواصل من ترامب أن سعر الفائدة إلى انخفاض، مما أدى إلى تراجع سعر الدولار وإلى مغادرة الدولار إلى الملاذ التقليدي الذهب كما أن الفضة أصحبت أكثر لمعاناً فتخاطفها المستثمرون لتحقق ارتفاعات تاريخية «270 بالمائة خلال عام». لكن ترامب يبقى صاحب المفاجآت فيخرج من أكمامه في كل مرة سحراً جديداً!

أما المستثمرون، فقد أخذوا الهجوم الشرس للرئيس على جيروم بأول ومطالبتهِ إياه بخفض سعر الفائدة سريعاً، بأن ترامب سيجلب مرشحاً متحمساً لخفض سعر الفائدة بوتيرة سريعة، وأن التواؤم بين الرئيس والاحتياطي الفدرالي سيعيد للدولار شيئاً من قوته التي فقدها على مدى عام نتيجة للضبابية.

لكن الضبابية لم تكن فقط هي العامل الوحيد، فقد اتخذ الاحتياطي الفدرالي بقيادة جيوم باول يوم الأربعاء قراراً بتثبيت سعر الفائدة لا خفضه، وهذا بالتأكيد عزز موقف الدولار، واكتمل المشهد بأن أعلن الرئيس ترامب عن مرشحه كيفن وارش وهو صقر آخر، ليس متحمساً لخفض سعر الفائدة ”عمال على بطال“ بل سيقرر ومعه مجلس الاحتياطي ما تمليه بيانات أداء الاقتصاد واستقرار الأسعار ووضع سوق العمل، وسيهتم أكثر من بأول بالصورة الأوسع لتفادي - على حد قوله - «mission creep- انزلاق المهمة عن أهدافها» وليس لرغبات ترامب! وهكذا يكون ترامب قد استبدل صقراً بصقر، ولا أقول إنهما متماثلان لكنهما متشابهان في أن لهما توجهاً مستقلاً. وهكذا، وكأن ترامب يقول إنه حريص على استقلال الاحتياطي الفدرالي لكنه يريد استبدال جيروم بأول بشخص أكثر تمكناً و”ذكاءً“، إذ لا ننسى أن ترامب نعت جيروم بأول بالغباء. ما يعني - من وجهة نظر المستثمرين - زوال دافع اللجوء إلى ملاذات مثل الذهب والفضة ولو إلى حين، رغم أن آفاق الاقتصاد العالمي ما زالت ملبدة بالغيوم، ما يعني - ولو إلى حين - انخفاض سعرهما.

وبالنظر إلى أن كيفن وارش فهو يمتلك خبرة سابقاً كعضو في الاحتياطي الفدرالي، وله مواقف صلبه فيما يخص التضخم، وأراءه معتبرة مهنياً، فقد لا تتوافق نظرته الموضوعية طويلة المدى بحكم طبيعة سياسات استقرار الأسعار مع نظرة ترامب القصيرة المدى الداعية لخفض سعر الفائدة لخفض تكلفة رأس المال من أجل جلب المستثمرين في البنية الإنتاجية من مصانع ومرافق ومراكز بيانات بما يساعد في خفض الواردات وزيادة الصادرات وخلق المزيد من الوظائف.

وهكذا، وأخذاً في الاعتبار حماسة الرئيس ترامب الشديدة لخفض سعر الفائدة، فلعل أول ”اشتباك“ بين الرجلين - فيما لو ثبت الكونجرس ترشيح وارش - قد يكون في حكم الحتمي، لكن توقيته يعتمد على نتائج أداء الاقتصاد الأمريكي وعلى معدل التضخم ونتائج متانة سوق العمل في الربعين الأول والثاني من هذا العام «2026»، وقد تبدأ المناكفات مبكراً في منتصف شهر يونيو مع انعقاد أول اجتماع تحت رئاسة وارش للجنة السوق المفتوحة، في حال أن أبقى الاحتياطي الفدرالي على سعر الفائدة دون تخفيض أو أن التخفيض كان متواضعاً. ولعل من المناسب الاستدراك بالقول إن جل التوقعات تفيد أن الاحتياطي الفدرالي سيخفض سعر الفائدة مرتين هذا العام أولاهما في يونيو 2026، وهكذا ففي حال تحقق التوقع فلن يكون ناتجاً بالضرورة عن ”محاباة“ بل عن معطيات السوق.

إذن، التحدي يكمن في أن يتحلى المرشح الجديد بالقوة والجَلَد للحفاظ على استقلالية قرارات الاحتياطي الفدرالي، ويبدو ان هذه النقطة تحديداً هي ما سيكون محل نقاش مستفيض في الكونغرس، كون ان المرشح محامي مؤهل اكاديمياً ومهنياً ويمتلك الخبرة، وتاريخه يشير إلى أنه ”صقر“ لن يتدثر بجلباب ترامب، فقابلية المرشح وارش لمعدل تضخم مرتفع فوق 2 بالمائة محدودة استدلالاً بفترة عمله السابقة تحت بيرنانكي إبان أزمة الرهونات العقارية العام 2008، ويبدو أن استقرار الأسعار في الولايات المتحدة هي الفيصل في كيف سيكون عليه الوئام بين الرجلين. الخلاصة هي في نقطتين: الأولى، أن ثمة هوة تبلورت سريعاً تُباعد بين ما توقعه المستثمرون طوال أشهر منذ إعلان ترامب موجبات تغيير رئيس الاحتياطي الفدرالي، وما فاجأهم به ترامب بالأمس باستبداله للرجل ”بأول“ دون أن يستبدل توجهاته الجوهرية وتحديداً معدل التضخم وسعر الفائدة! والثانية، أن اختيار ترامب للمرشح ”وارش“ لا يعني حصانته من التوبيخ، فترامب نفسه هو من اختار في فترته الأولى ”باول“ رئيساً للاحتياطي الفدرالي.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى