الحكمة ليست صمتا ولا مجاراة
كثير من الناس يعتقد بأن الحكمة هي الفلسفة بذاتها، لكن الأمر مختلف تمامًا؛ إنما الفلسفة هي محبة الحكمة. لذلك، وبسبب هذا الاعتقاد، صار البعض يظن بأن الكلام المنمق أو الذي يحتوي على بعض المصطلحات الثقيلة هو الفلسفة، على خلاف ذلك فإن الحكمة هي ميزان، ووضع الكلام في محله المناسب.
كما أن البعض حوّل الحكمة إلى أمر آخر، بأن الحكمة هي ألا تدلي برأيك السليم خوفًا من الإعتراض عليه، لكن الحكمة هي أن تدلي برأيك بكل احترام لآراء الآخرين.. هكذا هي الحكمة. وذلك البعض يعتقد بأن الحكمة هي الهدوء وعدم الكلام وطرح الرأي في محضر الجميع والاحتفاظ به، وهذه ليست من الحكمة، إنما هي نابعة من خوف الآخرين.
كذلك يختلط على البعض الفرق بين الذكاء والحكمة؛ فالذكاء هو القدرة على الفهم وسرعة الاستيعاب، على العكس من ذلك أن الحكمة توظيف الفهم في الوقت والمكان المناسبين. فقد يكون شخص ما ذكيًا، لكنه لا يوظف ذكاءه في مكانه وفي وقته المناسب، لكن الحكيم يضع الأمور في موازينها المناسبة لها.
إذًا، فليس من الحكمة مصارعة الآخرين للتغلب عليهم، أو مطارحتهم في آرائهم فقط لإفحامهم، لكن الحكمة أن تطرح رأيك بكل قوة دون مناكفة غيرك في رأيه.
مع الأسف، البعض تغيب عنه الحكمة وينقاد إلى عواطفه مخالفًا عقله، رغم ان العقل هو رأس الحكمة.. مثال على ذلك:
ممثل مسرحي يخرج عن النص المتفق عليه، فيأخذه وهج الحضور ويتلفظ بكلام غير لائق فقط لإسعاد الجمهور، وكذلك المتحدث الذي ينتعش أمام المصفقين والمعجبين، ويطرح الآراء العاطفية التي تزيد من رصيده من الجمهور، فيخالف عقله ويخالف ثقافته وعلمه في سبيل كسب الجمهور. هذه ليست من الحكمة، إنما هي نابعة من العاطفة.
الحكمة أن تضع الكلام في مكانه السليم الذي يليق بمن حضر، ويفيدهم ويرفع من مستواهم التحصيلي، حتى وإن خسرت بعضًا من الجمهور، ففي المقابل سوف تكسب غيرهم؛ لأنك احترمت عقلك وعلمك. هكذا هي الحكمة.
عندما تنتصر الحكمة، يكون الفوز الحقيقي؛ فقد جاء في القرآن الكريم:
«يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وما يذكر إلا أولو الألباب» من سورة البقرة.
فقد عُبّر عنها بالعلم النافع لمن تحلّى بها، وجُعلت من أصدق ما يُتلفظ به أو يُعمل به.
















