عشرون ثانية
هل علاقاتنا تنهار بسبب الوقت.. أم بسبب غياب انتباهنا لهم؟
في محادثة عابرة، قالت لي صديقة إنها تشعر باليأس من كونها الطرف المبادر دائمًا في علاقاتها، وأنها أدركت فجأة أن العطاء حين لا يُقابل يتحول إلى استنزاف. ثم أضافت جملة بسيطة وموجعة: نحن لا نفتقر للوقت، نحن فقط نؤجل السؤال. وكأنها تردد قول الشاعر:
لا تألُف الروحُ إلا من يُلاطِفُها
ويهجر القلبُ من يقسو ويجفاهُ
فلا وِصَال لمن بالوصل قد بَخلوا
ومن تناسى فإنّا قد نسيناهُ
إذن ذلك التأجيل الصغير والمتكرر هو ما يصنع المسافة، ومن ثم الصمت والقطيعة. نحن نحمل هواتفنا أينما ذهبنا، حتى في أكثر لحظاتنا خصوصية. أصبح الهاتف امتدادًا لأجسادنا، نأخذه معنا ونفتح الشاشة حتى حين لا نحتاجه فعلًا. ومع ذلك، نكرر بثقة مألوفة: لم يكن لدي وقت للتواصل.
السؤال هنا ليس عن الوقت، بل عن الاختيار. ربما لا نحتاج وصفات معقّدة للسعادة، ولا تعريفات كبرى. ما نحتاجه فقط هو مقياس جديد لها، أكثر موضوعية وإنسانية: هل أرسلنا اليوم رسالة صادقة واحدة تعكس اهتمامنا بأحبتنا؟
تُظهر الدراسات أن العلاقات لا تحتاج إلى تواصل طويل بقدر ما تحتاج إلى إشارات متكررة على الحضور؛ رسالة قصيرة صادقة، حين تتكرر، قد تكون أعمق أثرًا من لقاءات متباعدة. في علم النفس الإيجابي، لا تُبنى السعادة من الأحداث الكبيرة بقدر ما تُبنى من هذه العلامات الدقيقة التي تطمئن الإنسان أنه ما زال في ذاكرة الآخرين.
السعادة، بهذا المعنى، ليست في طول العلاقة، بل في انتظامها. مثل القلب، لا يحتاج إلى نبضات قوية بين حين وآخر، بل إلى إيقاع مستمر ومتناغم ليبقى حيًا.
العزلة لا تأتي فجأة. العلاقات لا تموت بصوت عالٍ، بل تنطفئ ببطء، كل مرة نؤجل فيها السؤال، أو نختار الانشغال بدل الحضور. عشرون ثانية فقط - وهي أقل مما نمنحه لتصفح عابر - قد تكون كافية لتقول للآخر: أنت هنا في قلبي وذاكرتي.
في زمن السرعة، يصبح السؤال فعل مقاومة؛ مقاومة لفكرة أن القرب ترف، وأن الانتباه عملة نادرة. وربما، في النهاية، لا تكون السعادة حالة نصل إليها، بل ممارسة صغيرة نكررها يوميًا بوعي.
رسالة واحدة سؤال صادق وعشرون ثانية فقط.
















