إشراقات تربوية من تعامل العلامة السيد علي ناصر السلمان مع أسرته
يمثّل تعامل العالِم الربّاني السيد علي السلمان مع أسرته نموذجًا تربويًا متكاملًا، تتجلّى فيه الحكمة، والوعي الرسالي، واحترام الإنسان، وصناعة الثقة، بعيدًا عن القوالب السلطوية أو التربية القهرية. ومن خلال شهادات قريبة من محيط الأسرة، وعلى رأسها شهادة كريمته السيّدة بنت الزهراء، تتكشف ملامح مدرسة أسرية راسخة أسهمت في بناء شخصيات واعية، ثابتة، وقادرة على تحمّل المسؤولية.
لم يكن السيد علي السلمان أبًا بالمعنى التقليدي فحسب، بل كان مصدر إلهام دائم لأبنائه، يغرس في وجدانهم قيم التقوى، ويؤسس لعلاقة قائمة على الثقة والاحترام. هذه الثقة لم تكن شعارًا، بل ممارسة يومية تُشعر الابن والابنة بقيمتهما وقدرتهما على الاختيار الواعي، وتحمل تبعاته بثبات ويقين.
حين واجهت كريمته صعوبة التوازن بين حفظ القرآن الكريم والتعمّق في سائر العلوم الدينية، لم يكتفِ بتشجيعها على الاستمرار في الحفظ، بل قدّم لها توجيهًا مفصليًا:
الانتقال من الاقتصار على الحفظ إلى دراسة التفسير وتدبّر الآيات والتعمّق في علوم أهل البيت
.
كان هذا التوجيه تعبيرًا عن رؤية تربوية عميقة ترى أن القرآن يُفهم ليُعاش، وأن الفقه والعقيدة والتفسير مسارات تكامل لا تنافس. وقد شكّل هذا القرار منعطفًا حاسمًا في مسيرتها العلمية، فتح أمامها أفق التخصص الحوزوي الواعي.
في عام 1416 هـ، كلّف السيد علي كريمته بمهمة الإرشاد الديني ضمن حملة للحجّاج، في زمنٍ لم يكن فيه حضور المرأة في التبليغ الديني مألوفًا. كان القرار جريئًا ومسؤولًا، واستند إلى إيمان راسخ بالكفاءة قبل الاعتبارات الاجتماعية.
ورغم ما واجهته التجربة من معارضة ونظرات متحفّظة، ظلّ دعمه حاضرًا، مؤكدًا لها عبارته الجامعة: «اتركي كلام الناس، الأهم رضا الله تعالى». كانت تلك الكلمات وقودًا معنويًا رسّخ قناعتها بمواصلة الطريق، وأسهم في فتح باب جديد لحضور نسائي واعٍ في الإرشاد الديني.
في بيوت العلماء، تُصنع القيم بالفعل قبل القول. كان السيد علي يحث أسرته على العبادة الجماعية، ويحرص عند اجتماعهم على ختم المجلس بالصلاة على محمد وآل محمد مئة مرة باستخدام المسباح.
هذا المشهد البسيط في صورته، العميق في أثره، يجمع بين التربية الروحية وبناء الألفة الأسرية، ويحوّل العبادة إلى تجربة مشتركة تعزّز الانتماء والسكينة.
لم يلجأ السيد علي إلى الضرب في التربية، بل اعتمد منهج الاحترام والحوار. كان يُصغي، ويُشرك أبناءه في الرأي، ويمنح كلمتهم تقديرًا حقيقيًا، حتى مع مكانته العلمية والدينية الرفيعة.
هذا الأسلوب زرع الثقة في النفوس، ودرّب الأبناء على التفكير المسؤول واتخاذ القرار، بعيدًا عن الخوف أو التلقّي السلبي.
غرس في أبنائه مبدأ الاعتماد على النفس، والتدبير الشخصي للمال، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية لما يملكه الإنسان تنبع من جهده واجتهاده. وقد انعكس هذا النهج عمليًا في حياة كريمته، التي أكدت أن ما تملكه كان ثمرة عملها ومسؤوليتها، لا اتكالًا على الاسم أو المكانة.
تكشف هذه الإشراقات أن السيد علي السلمان لم يكن مربّيًا داخل بيته فحسب، بل صاحب مشروع تربوي عملي يبدأ من الأسرة ويمتد إلى المجتمع. مشروع يقوم على الفهم قبل الحفظ، والتمكين قبل الوصاية، والاحترام قبل العقاب، والقدوة قبل الوعظ.
إنها مدرسة أسرية تُعيد تعريف الأبوة بوصفها رسالة، وتقدّم نموذجًا يُحتذى في بناء أجيالٍ مؤمنة، واعية، وقادرة على الجمع بين العلم، والعبادة، والمسؤولية الاجتماعية.
















