مهمة مفاجئة… حين تُجبر على مغادرة منطقة الراحة
«ارفض المهمة فهي لا تخصك»،
«اقبلها وامشِها»،
«الله يعينك عليها… عبء إضافي بلا فائدة»،
«أنت قدّها ما شاء الله عليك»،
«لا تهتم، أنا هنا إذا احتجت أي مساعدة».
عبارات متناقضة تتقاذف الإنسان حين يُكلَّف بمهمة لم تكن ضمن حساباته، ولا تنتمي إلى تخصصه، ولا يملك عنها معرفة كافية.
بين الدافعية والإحباط،
بين الرغبة في الإنجاز والخوف من الإخفاق،
يقف السؤال الأهم:
كيف نفكّر؟ وأين نجد أنفسنا وسط هذا الضجيج النفسي؟
قد يجد الإنسان نفسه فجأة أمام تكليف إداري أو توجيه مباشر من رئيسه في العمل؛ كتدريس مادة بعيدة كل البعد عن مجاله، أو الانتقال إلى مرحلة تعليمية مختلفة عمّا اعتاد عليه، أو أداء مهمة إدارية أو مالية كمحاسب دون خبرة سابقة. وهنا لا يكون الاختبار في طبيعة المهمة، بل في طريقة استقبالها والتعامل معها.
فمثل هذه المواقف قد تولّد مشاعر القلق والرفض والخوف من الفشل، لكنها في المقابل قد تتحول — إن أُحسن التعامل معها — إلى فرصة حقيقية للنمو واكتساب مهارات جديدة. وهنا تحديدًا تقف شخصية الموكَل إليه التكليف حدًّا فاصلًا بين الإخفاق والنجاح؛ فإمّا أن يقوده التحدي إلى بذل مزيد من الجهد، ودراسة أبعاد المهمة، وفهم متطلباتها قبل الشروع فيها، أو أن يقوده الإحباط إلى التقاعس، وتقديم عمل باهت أو مخيّب للآمال.
أولى خطوات النجاح في مثل هذه المواقف هي تقبّل الواقع دون مقاومة داخلية؛ فالتذمّر لا يغيّر القرار، بينما يمنح الهدوء مساحة للتفكير السليم. يلي ذلك البحث والتعلّم الذاتي، فالقراءة، والاستفادة من خبرات الزملاء، وحضور الدورات السريعة لم تعد خيارات ثانوية، بل أدوات أساسية في زمن لم يعد التعلّم فيه حكرًا على التخصص.
كما أن تنظيم الوقت ووضع خطة واضحة يخففان من وطأة الضغط، ويجعلان المهمة أكثر قابلية للإنجاز. ولا يقل أهمية عن ذلك طلب الدعم دون خجل؛ فالسؤال وعي، لا ضعف. ومع الإخلاص وبذل الجهد، تتحول المهمة المفاجئة من عبء ثقيل إلى تجربة ثرية تُضاف إلى الرصيد المهني والإنساني.
غير أن التحدي لا يتوقف عند حدود المهمة ذاتها، بل يمتد أحيانًا إلى المحيط الاجتماعي والمهني. فهناك من يبثّ كلمات ناعمة ظاهرها التعاطف وباطنها التثبيط، كقولهم: «هي لا تخصك فلا تبذل فيها كثيرًا»، أو «ارفض ولن يحاسبك أحد». مثل هذه العبارات قد تؤثر سلبًا في الشخصيات الضعيفة أو المنقادة، وتعيدها قسرًا إلى منطقة الراحة، حيث الجمود لا التطوّر.
ويشير علماء النفس إلى أن الخروج من منطقة الراحة «Comfort Zone» يُعد جزءًا أساسيًا من النمو النفسي والتطوّر الشخصي والمهني، حتى عندما يكون هذا الخروج مفروضًا بتكليف غير متوقّع. إذ تُعرَّف منطقة الراحة بأنها حالة نفسية وسلوكية يشعر فيها الفرد بالأمان والروتين، مع انخفاض التوتر، لكنه في المقابل لا يختبر كامل طاقاته ولا يكتسب مهارات جديدة. ولذلك يؤكد علماء النفس على أهمية ما يُسمّى بـ «القلق الأمثل»؛ وهو مستوى معتدل من التوتر يدفع الإنسان إلى التعلّم والنمو دون أن يُصيبه بالشلل أو الانسحاب.
في النهاية، التذمّر لن يصنع عالمًا مريحًا، بينما خوض التجربة — حتى وإن جاءت نتائجها أقل من المتوقع — يفتح أبواب التطوّر، ويصنع خبرة، ويترك أثرًا. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بالبقاء داخل حدود المألوف، بل بالقدرة على العطاء والتأثير أينما وُضع الإنسان.
















