الدواء دون طبيب داء
الطبيب وسيلةٌ للشفاء من المرض، ولمنع الإصابة به، والحدِّ من خطورته. وقد مرَّت هذه المهنة بثلاث مراحل:
قديمًا، لم تكن المهنة تخضع لشروطٍ أو تقنينٍ أو دراسةٍ علمية، بل كان يُكتفى بممارستها بالوراثة والخبرة. ولهذا نرى ”المُحسِّن“ - الحلّاق حاليًا - يجري عملياتٍ جراحية ولو بسيطة، ويصف الدواء من الأعشاب المحلية المتوافرة عند العطّار أو الحوّاج - صيدلاني اليوم - جاهزةً أو مصنَّعةً يدويًا، ومنها ما هو مستورد.
ولا يزال بعض الناس يتعاطونها ويستفيدون منها، في غياب أي رقابةٍ على صلاحيتها أو محاسبةٍ على الأخطاء الصادرة عنها، ومن غير اعتراضٍ من أحد. ولثقة الجميع وعقيدتهم بأنه المنقذ الوحيد، كانوا يقصدونه أينما وجد، فيدفعون له إكراميَّةً أو يترحمون على والديه ويجزونه خيرًا، وقد تحدث حالاتُ تعافٍ كثيرة بسببه.
كما برز آخرون متخصصون في تركيب كسور العظام، والمراخ، والكيّ، والحجامة «وهذه موجودة ومفعَّلة شعبيًا إلى اليوم وإن لم تكن كالسابق». وكان التشخيص يعتمد على لمس العضو بقوةٍ، والتحسّس، وسؤال المصاب عن موضع الألم - وهو بمثابة كشفٍ سريري متكامل، وأشعةٍ، ومختبر.
ومن الذين ذاعت شهرتهم خارج منطقتنا أذكر - على سبيل المثال لا الحصر - من العوامية المرحوم الشيخ محمد النمر، عالم الطب والدين، الذي يُضرب به المثل إلى يومنا هذا. وكانت بلدة عنك أشبهَ بتجمّعٍ صحِّيٍّ؛ فيها عياداتٌ منزلية تخصصية، من أبرز أصحابها في أواخر تلك المرحلة المرحوم الحاج محمد دخيل القمبر، الذي بلغت سمعته مديرَ عام الصحة في المنطقة الشرقية حينها، فأُعجب بأدائه وأثنى عليه. وكان يفهم قراءة الأشعة في سنواته الأخيرة، فيأمر بأخذها ويتمشى بموجبها، مما يدل على تمكُّنه من مهنته ومعرفته. وكذلك الحاج محمد المشهد، وغيرهما.
وعمومًا، لا تخلو بلدةٌ من أولئك المحترفين. وقد كانت تقابلهم نساءٌ خبيراتٌ تخصصن في مساعدة المرأة، ولا سيما الحامل، إن كان جنينها في وضعٍ غير طبيعي يحتاج تصحيحًا قبل المخاض والولادة ومتابعتها بعد ذلك. وكانت تُعرف إحداهن عرفًا بأنها أمٌّ للمولود.
لقد مضى أغلب أولئك بعد أداء رسالتهم المتعلقة بحياة الناس بإخلاصٍ وفي حدود الإمكانات المتاحة، ونقدّم لهم الشكر والتقدير، وبقي بعضهم إلى اليوم إلى جانب ما يُعرف بالطب البديل.
وهي مرحلةٌ وسطية، مضمونها أن الطبيب يجب أن يكون حاصلًا على شهادةٍ علميَّةٍ معترفٍ بها في مجاله. ومع ذلك، بدايةً، ما كان يلتزم بتخصصه بدقة.
ففي الستينات بمدينة القطيف، كان هناك طبيب ”عيون“ أجرى لي عمليةً جراحية ناجحة. كما أدركتُ ممرضًا ذا خبرةٍ فتح عيادةً طبِّيَّةً ببلدة القديح، يعالج فيها المرضى إلى ما قبل خمسين عامًا، وكانت عيادته تعجُّ بالمراجعين يوميًا.
في حاضرنا، قُنِّنت المهنة بدقةٍ عالية، وأصبح أداؤها محددًا بتخصُّصٍ لا يتعداه صاحبه، وإلا اعتُبر مخالفًا يُعاقَب بإيقافه عن الخدمة وإلغاء ترخيصه. وتفرعت التخصصات الطبية نفسها إلى فروعٍ أدق، وكُلِّفت لجانٌ بمراقبة المستشفيات والعاملين فيها، والتحقق من صحة أدائهم ومستواهم المهني. كما فُرض التأمين المهني والصحي، واستُحدثت مراكز متخصصة لبعض الأمراض كالقلب والسرطان والكلى.
غير أنّه، مع هذا التطور المُذهل في الطب والأجهزة الكاشفة مبكرًا للإصابة، وما تتحفنا به الأبحاث العالمية من منتجاتٍ وجراحاتٍ عن بُعدٍ، وتبديلٍ وزراعةِ أعضاء، وبراءات اختراع تسابق الزمن - ومع ما يُنتظر من مزيدٍ في القادم - لا يزال هناك متطفلون دخلاءُ يفتون دون طلبٍ من أحد، ويُشخِّصون ويصفون الأدوية من وحي أنفسهم.
ولو سألت أحدهم: ما دخلك؟ ومن أين لك هذا؟ لقال: ”زيدٌ أُصيب وأُعطي ما وصفتُ فشُفي، وآخر يعاني مثل عمرو استفاد مما قلتُ“. فلو كسبتَ أيها الأحمق كما تزعم بجهلك، فكانت الأولى مصادفة، وهلك الثاني أو زاد ما به، فما موقفك؟ ومن المسؤول؟
الصحيح أن نترك هؤلاء جميعًا وتوجيهاتهم العشوائية، وأن نُوبخهم على تصرفاتهم، ونكتفي بمراجعة المختص والأخذ بما يوصي به ويصفه.
ونعيد ما عنونَّا به: ”الدواء دون طبيب داء“، ونضيف أن التدخل فيما لا يعنيه جريمةٌ، ولو أُبلغت الجهات الرسمية ذات العلاقة لتعرّض أصحابها للعقوبة.
















