آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 8:35 م

«فرن علوي» قصة عشق انتهت في جزيرة تاروت

عباس سالم

ارتبط عشق الخبازة عند المرحوم: السيد علوي الدرويش «أبو سيد مهدي» منذ صغره، حيث كان يعمل في مخبز وسط مدينة رأس تنورة يملكه المرحوم الحاج الوجيه: «محمد تقي آل سيف»، وتطوّر ذلك العشق بعد أن ترك السيد علوي العمل في ذلك المخبز، واستقل بتأسيس أول فرن يملكه في بلدته جزيرة تاروت.

يعتبر «السيد علوي» من الأوائل في منطقة القطيف الذين أنشأوا فرنًا عصريًا حديثًا، بخلاف المخابز الشعبية التقليدية «الخباز العربي» في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث كان فرن علوي للخبز وأنواع الكيك في جزيرة تاروت مكوّنًا رئيسًا في حياة الناس اليومية، بل كان في نظرهم رمزًا للجودة والرائحة الزكية ولذّة الطعم، نظرًا للمكونات الطبيعية غير المصنعة في تلك الفترة الزمنية، مقارنة بالتراجع الكبير في رائحة ولذة ما تنتجه معظم مخابز الأفران الأوتوماتيكية اليوم.

تمحورت لدى السيد فكرة إنشاء مخبز عصري في جزيرة تاروت لتكون امتدادًا للخبرة التي استلهمها في مخبز الوجيه الحاج: «محمد تقي آل سيف»، وكان أول مقر لمخبزه بالقرب من منزل المرحوم علي فتيل المجاور لبيت المرحوم عبد الحسين الزاير أبو الدكتور أحمد رحمهم الله، واستقطب المرحوم «السيد علوي» شباب البلد ليديروا هذا المخبز الكبير بعد أن أخضعهم لدورات تدريبية مكثفة على كيفية تدوير الآلات، وطريقة العجن والخبز بمهنية احترافية عالية.

من الشباب الذين عملوا معه في تلك الحقبة الزمنية والذين لا أزال أتذكرهم: المرحوم الحاج عباس تركي، والحاج أبو ياسر حبيل، والحاج معتوق المسباح، والحاج عبد علي آل سيف «أبو محسن»، والحاج حسن الماء «أبو علي»، والحاج عباس أمين «أبو فاضل»، والمرحوم الحاج علي المقبقب، والحاج عبد الرسول المحيشي، والحاج منصور سليس، وفي العطلة الصيفية كان يعمل في المخبز مجموعة من طلاب المدارس منهم: الحاج عبد الله المعلم وأخيه المرحوم سلمان، والمرحوم الحاج سعيد خاتم.

في الماضي كانت الطبيعة خلابة والبيئة نقية خالية من الأوبئة والجراثيم، وعندما تجوب حيًا قديمًا في جزيرة تاروت وتمرّ بالسوق الرئيسة فيها، وتشُمّ رائحة خبز زكية تنبعث إليك في المكان، فالمرجّح بقوة هو أنك على مقربة من «فرن علوي» التقليدي، حيث تتواصل حرفة وطرق تحضير الخبز وفق الطرق التقليدية، وما زالت أجيال الستينيات وما بعدها حتى بداية الثمانينيات تحتفظ في ذاكرتها بذلك الماضي الذي عاشته في أيام الطفولة والشباب.

كانت عملية تحضير الخبز تتم وفق الطرق التقليدية، بدءًا من استلام تشكيل العجين على ألواح خشبية، ووضعها داخل صواني مخصصة لإدخالها داخل الفرن بمحاذاة من ألسنة اللهب، وصولًا إلى إخراجها بعد نضجها محمّصة تعلوها الحمرة مع رائحتها الزكية المنتشرة في المكان، وذلك نظرًا للاختلاف الكبير في مكونات الطحين، وهو المادة الأساسية للخبز، بين الحقبتين الزمنيتين، مُعلنةً جاهزية الخبز لتسليمه للناس الذين ينتظرونه أمام باب المخبز.

في مخبز «علوي» كان يستخدم ورق الحاسب الآلي الذي يحصل عليه من عمال شركة أرامكو لوضع خبز الفرن الساخن فيها بدلًا من استخدام أكياس البلاستيك، وأما باقي المخبوزات فتوضع في الأكياس البلاستيكية ما عدا الكيك، وكان بجانب المخبز مطعم المرحوم: علي بن منصور عبدالغني أبو كريم، وهو من الأوائل الذين أدخلوا جهاز التلفاز في مقاهيهم، وحين نمر من هناك في طريقنا للفرن نقف هنيهة لمشاهدة التلفاز، لكن الأخوانِ كريم وسعيد أبناء عبدالغني يأتيان ويسألان: هل طلبتم بيبسي أو كوكا كولا؟ فنرد عليهما بالنفي، فيقولان لنا: إذاً انصرفوا من هنا.

بعد فترة من الزمن نقل المرحوم علوي فرنه إلى المحل الذي أصبح لاحقًا مطعم الدعبل صاحب «الكبسة السحرية»، وبقي فيه فترة من الزمن، ثم انتقل إلى أحد المحلات الجديدة في نخل البستان بالقرب من مغسلة الشعب التي كان يعمل فيها المرحوم الحاج عبدالله مقرن «أبو علي»، ومكانه تحديدًا هو المبنى الموجود فيه «مجوهرات ملاك» حاليًا، وبعد فترة زمنية بدأت الأيدي المحلية العاملة في الفرن تتقلص بسبب التحاق الكثير منها بالشركات الوطنية والأجنبية.

بعد خروج الأيدي الوطنية من «فرن علوي» بدأ يتراجع في الجودة والإنتاج شيئًا فشيئًا، إلى أن اضطر إلى استقدام عمالة أجنبية تحديدًا باكستانية لتدير شؤونه، وبقي الفرن يعمل فترة ليست بالقصيرة، ولكن بعد رحيل علوي إلى رحمة ربه وظهور المخابز المنافسة له في المنطقة، انتهى الفرن وانتهت مسيرته التي استمرت أكثر من ثلاثين سنة على أقل تقدير.

ختامًا: في هذه الحياة كل شيء يتغير، ويذهب الأصدقاء والأحباب والأماكن، لكن الشيء الوحيد الذي يبقى هو الذكريات، حيث يلاحقنا الحنين إلى الماضي وذكرياته القديمة التي ذهبت ولن تعود، وتبقى ذكراها نحمل عبقها في قلوبنا أينما رحلنا.