آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 8:35 م

انتبه لا تتقاعد

هاشم الصاخن *

هذا المقال لا يناقش إيجابيات التقاعد ولا سلبياته؛ بل يركِّز على السُّؤال الأهم قبل كلِّ ذلك: هل التقاعد خيار مناسب لك أصلًا، أم قرار لا يشبه ظروفك ولا حياتك؟

فالحديث هنا عن اختيار التقاعد من عدمه، لا عن التقاعد بوصفه نهاية أو مكسبًا جاهزًا. فالتقاعد الوظيفي ليس إجراءً إداريًا يُتخذ عند بلوغ عمر أو إكمال سنوات خدمة؛ وإنَّما قرار مصيري يفتح باب مرحلة جديدة من الحياة، تختلف ملامحها من شخص إلى آخر، بحسب الواقع المالي، والأسري، والصِّحي، والنَّفسي.

ومع أنَّ حديثنا هنا يتركَّز على التَّقاعد الوظيفي، إلَّا أنَّ مفهوم التَّقاعد أوسع من ذلك، وله أشكال متعددة؛ كتقاعد مجتمعي يتمثَّل في الانعزال عن الناس، وتقاعد معرفي حين يتوقف الإنسان عن التزود بالعلم والفهم، وتقاعد كروي حين يعتزل اللاعب ممارسة الرياضة، وتقاعد أسري حين يبتعد الشخص عن أسرته وينزوي وحيدًا، ومنها ما هو ملموس ومعلن، ومنها ما هو خفي؛ لكنَّه حاضر في سلوكنا اليومي.

كثيرًا ما يسألني أصدقاء: هل تنصحني بالتقاعد عن الوظيفة؟

وإجابتي دائما واحدة: رأيي لا ينطبق عليك.

لأن الناس يختلفون في ظروفهم وتفاصيل حياتهم، ولا يعيشون الظروف نفسها.

فلكل إنسان خصوصياته المالية، والأسريَّة، والمكانيَّة، والصحيَّة، والنفسيَّة، والعمريَّة.

ما ينطبق على قد لا ينطبق عليك، وما أعيشه أنا قد لا تعيشه أنت.

تحدَّثنا عن معنى التقاعد، وما الذي نقصده به في هذا السياق، ومن هنا يصبح من الضروري توضيح سبب إصراري الدَّائم على أن إجابتي لا يمكن ان تنطبق على غيري.

فالتقاعد ليس قرارًا معلقًا في الفراغ، ولا خطوة يمكن نقلها من تجربة إلى أخرى؛ وإنَّما هو نتاج مجموعة من الظروف المتداخلة التي تختلف من إنسان لآخر، وقد تتغيَّر عند الشخص نفسه من مرحلة عمريَّة إلى أخرى.

قد يكون التقاعد لدى شخص ما انتقالًا طبيعيا إلى مرحلة أكثر هدوءًا واستقرارًا، بينما يتحول عند شخص آخر إلى عبء نفسي وشعور بالفراغ وفقدان الدور.

فالفارق لا يصنعه القرار ذاته، بل ما يحيط به من واقع مالي، وحالة صحية، ووضع أسري، ومستوى من الحضور الاجتماعي، ودرجة الاستعداد النفسي لما بعد التقاعد.

هناك من يدخل التقاعد وهو يحمل مشروعًا لم ينفذه بعد، أو اهتمامًا لم يُستكمل، أو رغبة حقيقيَّة في العطاء بشكل مختلف، فيكون التقاعد لديه بداية جديدة.

وفي المقابل، هناك من يصل إليه من دون تصور، ودون خطة، ودون بدائل، فيتحوَّل التقاعد من استحقاق طبيعي إلى انسحاب صامت من الحياة.

لهذا السبب، لا يمكن لإجابة واحدة أن تكون صالحة للجميع، ولا لتجربة فرديَّة أن تتحوَّل إلى قاعدة عامَّة، فاختلاف النَّاس يكون في تفاصيل حياتهم التي لا يراها إلَّا هم، وليس في رغبتهم فقط.

لذلك، حين يسمع بعض الأصدقاء إجابتي، ويصرُّون بعدها على الشرح، يقولون لي: لقد حيَّرتني ولم تعطِني إجابة صريحة وواضحة ومفصليَّة.

وحينها أقول له: نعم، صدقت.

لأن بعض أفكاري قد لا تناسب ظروفك، وبعضها الآخر قد لا يناسبها أساسًا، لا اليوم ولا غدًا.

فالإجابة المفصليَّة في مثل هذه القرارات قد تكون ظلمًا لصاحبها، حين تقدَّم له على أنَّها حل نهائي، بينما هي في حقيقتها تجربة شخصيَّة بنيت على واقع مختلف.

ولهذا أفضِّل أن أترك مساحة للتفكير، وأن ادفع الشَّخص إلى مراجعة ظروفه لا إلى استعارة قناعات غيره.

ولكن هذا لا يعني أنَّ السائل لا يجب عليه أن يسأل، أو أن يتردد في طلب الرَّأي، فالاستشارة طريق لا يخذل السَّائل.

غير أن عليه أن يدرك أنَّ كل إجابة، مهما كانت صادقة، تحتاج إلى تمحيص وتفكير عميق، قبل أن تتحوَّل إلى قرار مصيري قد يغيِّر مسار حياته.

ونحن هنا نتحدَّث عن الموظفين الذين يحق لهم التقاعد قبل سن الستين الإلزامي، حيث يصبح القرار أكثر حساسية، ولا يحتمل النقل الحرفي لتجارب الآخرين، مهما بدت ناجحة.

فالقرار في نهايته شخصي، تحكمه ظروف لا تتشابه، وتجارب لا يمكن استنساخها.

وإلى لقاء قادم في عالم التقاعد.

سيهات