آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 8:35 م

شهر يناير الجاري

المهندس أمير الصالح *

الهروب الشتوي

مطلع كل عام جديد، اعتاد أغلب سكان الأرض تقديم التهنئة فيما بينهم، لا سيما الموظفون ورجال الأعمال حول العالم، بمناسبة بدء العام الجديد بالقول لبعضهم بعضًا: «happy new year - عام ميلادي سعيد»؛ تفاؤلًا من الجميع بعام أكثر رخاءً وازدهارًا وسعادة وسلامًا ونموًا وتقدمًا واستقرارًا، وأقل ضجيجًا، وأقل حروبًا، وأقل فقرًا، وأقل جرائمَ، وانعدام الخسائر.

وفي شهر يناير من كل عام، اعتاد أغلب سكان شمال الكرة الأرضية أن تنخفض حرارة الطقس وتتساقط بعض الأمطار أو بعض الثلوج، ويشتد الشتاء لبلوغ ذروته، إلا أن الشتاء لهذا العام مختلف للغاية بما صال وجال واحتوى من أحداث غريبة ومتسارعة، أحدثها أو صنع معظمها شخص واحد أو مجموعة أشخاص.

اليوم هو 27 يناير 2026، ومنذ مطلع هذا العام الميلادي الجديد وفور دخوله، بدأت أحداث عالمية ساخنة جدًا، اقتصادية وغير اقتصادية؛ ومطلعها أحداث دولة فنزويلا بترحيل رئيسها من مقر إقامته إلى دولة أخرى لمحاكمته، وتعميق الحروب التجارية بين إدارات عمالقة دول الصناعة العالميين عبر تراشق فرض الرسوم الجمركية العالية والرفع المضاد، ومرورًا بأزمة الثقة بالأوراق المالية للعملات الصعبة، وتجاذبات أطراف حلف الناتو بموضوع أراضي غرينلاند، واستمرار وتيرة تصاعد الحروب الأهلية في عدة دول إفريقية، وانبثاق التحالف التجاري المفاجئ بين كندا والصين «16 يناير»، وخطاب رئيس وزراء كندا «السيد مارك كارني» الشهير والمفاجئ من على منصة مؤتمر دافوس الاقتصادي الحالي «20 يناير»، وتوقيع مذكرة تجارة حرة بين أوروبا والهند «26 يناير»، التي عبرت عنها جريدة الشرق الأوسط بـ «أم الصفقات»، والهجوم المتوقع شنّه على إحدى الدول المطلة على الخليج، وتوتر الخطابات العابرة للقارات على أكثر من صعيد، والتحشيدات العسكرية في أكثر من بحر حول العالم، والتحديات الاقتصادية، والتضخم المستمر، وارتفاع أسعار الذهب والفضة التاريخي، وتسارع خطى الرقمنة التطبيقية، وتمدد الاستخدام للعملات الرقمية، وصراع العمالقة على الاستحواذات التقنية في مجالات عدة لضمان الريادة، والصراع شبه المعلن على الموارد الطبيعية والمعادن النفيسة.

كل تلكم الأحداث والتوقعات الرمادية سلبت أو خفضت منسوب التفاؤل عند عدد كبير من المراقبين والمتابعين للأحداث، لا سيما مع استمرار زخاتها المتسارعة بإيقاعها المتلاحق، وسلبت تلك الأحداث الجيوسياسية المتغيرة بعض أنماط ومظاهر الاحتفاء بالشتاء والمعتاد عليها في شمال الكرة الأرضية، لتحل محلها متابعات لصيقة لجديد ما قد تنتهي به الأحداث في نهاية المطاف.

شتاء يناير المعتاد

ففي بعض دول الغرب، لا سيما الأمريكي والكندي والأوروبي، اعتاد البعض هناك على الاستمتاع برياضة التزحلق المفتوح، وسياحة ركوب العربات المجرورة بالكلاب، والاستمتاع بسماع سيمفونيات طبيعية تُسمى winterscape, حيث أصوات deep forest blizzard & soothing winter wind, والتسامر بالحديث مع الأحبة في المقاهي، والتسكع في المراكز التجارية المغلقة، والأكل في المطاعم.

وفي شتاء دول الشرق الأوسط، اعتاد عدد كبير من الناس على التخييم في البر، والجلوس على شكل حلقات حول المناقل أو الدفايات، وتبادل الأحاديث، والمفاكهة بالكلام، والمبارزة بالشعر، والاستمتاع بأكل اللحوم المشوية، وتناقل تجارب الأسفار، وفنون وآداب التعامل مع الناس، والإفصاح عن بعض منعطفات الحياة، والسعي لعقد تجمعات عائلية مليئة بالمودة، والتخطيط لمآدب رمضان القادم، أو التشاور في محطات الصيف السياحية القادمة... إلخ.

شتاء يناير الحالي

منسوب تساقط الثلوج التاريخي ببعض المناطق والمقاطعات والمحافظات، والتضخم السعري المستمر للسلع الاستهلاكية، وركود الاقتصاد في عدة دول؛ أجبر الكثير من الناس في أكثر من ولاية ومقاطعة ومدينة على الجلوس في منازلهم لأطول مدة زمنية، وضمور حياتهم الاجتماعية المعتادة؛ كما أجبر الطقس القارس البرودة عددًا كبيرًا من المطارات على إلغاء الرحلات الجوية لسوء الأحوال الجوية، أي أن البعض احتبس لظروف جوية قاهرة.

وزاد الأمر سوءًا أن الأحداث العالمية آخذة منحى تعدد الاستقطابات، وتناثر التهديدات، واتساع آفاق الحروب الاقتصادية.

القصة الرئيسية

في نشرات الأخبار العالمية في محطات NBC / CNN / BBC, تُعنون بعض الأحداث بالأهم «Top Story» لشد انتباه المتابع والمشاهد؛ والواقع أن الأحداث التي نعيشها حاليًا في كل مضمار أضحت كلها قصصًا مهمة جدًا، وهي تندرج تحت مقولة:

Every story is a top story

خبر التهديد بقرع طبول الحرب في الخليج، بمنطقة الشرق الأوسط الساخنة من الأساس، وعلى مدى أكثر من ثلاثة أسابيع - لا سيما بعد تحشيد الأساطيل الحربية في بعض البحار المجاورة - جعل أحاديث كل المجالس والديوانيات والبورصات والأسواق والتوقعات والتحليلات ونشرات الأخبار تدور حول ما قد يحدث من تطورات، ومتى وكيف تنتهي الأمور هناك.

فأضحى الناس بين متفائل بعدم وقوع حرب أو بوقوع حرب خاطفة، وبين متشائم بوقوعها واستمرار نزيف المنطقة ماديًا ونفسيًا، وبين حذر وقلق ومشوش للصورة ما بعد الحرب، وآخر متطلع لما عند الله من خير وحفظ وبركة ووعود صادقة.

فالذين يؤمنون بوجود الله يعتقدون أن الله لن يجعل أمر عباده الصالحين ومصير سكان الكرة الأرضية بيد أي أحد سواه، وإن زادت شوكته واستطال نفوذه.

شهر يناير الحالي، بما عجّ ويعجّ به من أحداث، بحق يطابق الجملة الشهيرة لأحد مذيعي الفضائيات العربية «مصطفى الريدي / روتانا سينما»: «مش حتقدر تغمض عينيك».

دور الإيمان بالله

تسارع الأحداث، وتبخر المدخرات، وتآكل الطبقة المتوسطة، تؤكد حقيقة واحدة؛ وهي أن المؤمنين بوجود الله القوي الجبار يدركون أن الكلمة العليا لله، وهو صاحب القوة المطلقة، وأن الله يستطيع أن يغير الموازين لصالح الصالحين من عباده بتسارع أكبر مما شهدناه في شهر يناير الجاري، وأن الله أهل الوفاء بعهوده، وهو أصدق الصادقين؛ ولو بقي من عمر هذا الكوكب يوم واحد لأطاله الله ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال: 42].

فالإيمان بالله - جل جلاله - يعزّز روح الاطمئنان بأن عواقب الأمور إلى خير، حتى مع وجود خطابات تشاؤم وأحداث مأساوية وتحاليل إخبارية سوداوية، وأن الأمور بخواتيمها هي لصالح الإنسان التقي، النقي السريرة، والأصلح لخلافة الله في أرضه.

لكن كيف أعرف الصالح من الطالح في ظل وجود خطابات إعلامية مشتتة ومتضاربة؟ أدرِ السؤال نحو نفسك الآن، ومحص فهمك للحق والعدل والقيم.