آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 8:35 م

محمد بو ناقه.. الذاهب إلى موته كطفل ضاحك

محمد الحرز * صحيفة اليوم

فجعت قبل أسابيع بفقد صديق من أعز أصدقاء العمر هو محمد بو ناقة. طوال الأيام الماضية لم أقترب من الكتابة عنه، حاولت لكني لم أستطع. الكتابة على ما أظن تستعصي على المجيئ إذا كانت لأجل من نحبهم وقد رحلوا، إذا كانت تُقدّر المخاطر التي سوف تواجهها حين تعلم أنك سترمي حجرا على أقدامها كي تصرخ مثلما كنت تريد من حروفك أن تصرخ مثلها. الكتابة تقع بين فكي التوجس والرغبة بين الانتفاضة على نفسها والخروج إلى الشارع في وضح النهار أو الانزواء داخل رأسي في غرفة معتمة بلا باب أو نافذة. الصديق الذي يذهب إلى موته لا تستطيع الكتابة أن تلحق به، وإذا ما حاولت لا تستطيع حتى أن تتلمس آثار أقدامه على الطريق.

هو لا يلتفت في ذهابه، وهي لا تنشغل سوى بالسواد الذي يغطي عينيها، كأن في ذهابه عودة إلى أيامه الأولى، وكأن انشغالها إعلان وصوله إلى حضنها.

ينفلت الحبل من أيدينا ويقع في الوحل كلما حاولنا أن ننزع عن أجسادنا سهام الذكريات.

الموتى الأحبة، الموتى الأصدقاء ذكرياتهم كالشجر الصامد أمام العاصفة، كالمطر القديم المختبئ تحت التراب، كالصراخ الذي يتردد صداه في البرية.

نحاول ثم نحاول لكن دون جدوى، الليل ركض طويلا في مضمار السباق. لكنه لم يستطع اللحاق بدراجة النهار. نعيد السباق مرة أخرى بذريعة التعب تارة والأفكار ثقيلة الوزن على الأكتاف تارة أخرى. لكننا بالكاد نصل خط النهاية، وإذا وصلنا لا نجد أحدا يقول لنا: خذوا بخار لهاثكم وامنحوه تذكرة عبور إلى حياة الغائبين من أحبتكم، إلى زجاجها المصقول بماء أيامكم، لعل العالق من أنفاسهم يطل برأسه ويقول لكم: نصف الحقيقة دموع تتسرب من الأجفان دون أن ينتبه لها أحد بينما النصف الآخر هو ما يحول هذه الدموع إلى أخشاب صلبة تسدً مجرى الذكريات كي لا تصل.

بقدر ما نكتب عن الراحلين من أحبابنا بقدر ما يكتبونا بطريقتهم الخاصة، لذلك أجدني بالقدر الذي أقترب فيه بالكلام عن صديقي الفقيد محمد بو ناقة، فأنا في واقع الأمر أتكلم فيه عن نفسي. صحيح أن الحياة أخذت كل منا في طرقها المختلفة، حتى تباعدت الخطوات واتسعت المسافات. لكن الشيء الأكيد أن من يحظى بصداقة شخص مثل محمد بو ناقة فإنك ستراه حاضنا الكنز بكلتا يديه. شيء ما يجذبك إلى شخصيته بمجرد ما أن تتعرف عليه للوهلة الأولى، شيء يشبه سحر الحكايات تحت ظلال نخلة أحسائية في لياليها الهادئة. وكأنه ورث الحكايات ذاتها والظلال ذاتها أيضا. عاش «أبو علي» الحياة كما كان يريدها هو وكما تريدها هي أيضا، فبين مرحه ومسؤولياتها مشى على حافة العالم دون أن يسقط في هاويتها رغم ما عاناه من ألم الحياة وقساوتها. عاش محبا للحياة بكل أبعادها وتشعباتها، محبا للصداقة، لذلك أكسبته الحياة معرفة بشؤونها وأعطته خبرتها في معرفته بالناس في علاقاتها الاجتماعية. محمد بو ناقة شخصية استقرت في ركن قصي من حياتي، وضربت أوتادها في قلبي ووجداني، كيف لا يكون كذلك وفي صحبته اكتشفنا معا عوالم الثقافة في الأسفار التي كنا فيها معا، وفي صحبته قطعنا أوقاتنا بالحوارات الثقافية والأدبية الجادة، غامرنا لأجل أن نقول للحياة نحن ها هنا نستطيع قول ما لا يمكن أن يقوله الآخرون عنك.

ذهب محمد بوناقه، الصديق المثقف الواعي إلى حيث نذهب جميعا وبقيت محاولا أنزع من رزنامة حياتي ما تبقى من أيامي القادمة.