آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 8:35 م

قراءة تأويلية أسلوبيّة لقصيدة «حبيبانِ نحنُ وأكثر» - توفيق أحمد

الدكتورة ربا رباعي *

تمهيد

يندرج نصّ «حبيبان نحن وأكثر» ضمن الشعر الغنائي الحديث الذي يُراكم الدلالة عبر الانزياح، ويؤسس لعلاقة عشق تتجاوز الثنائي المألوف إلى أفق كونيّ تتداخل فيه الذات بالوجود، والحب بالمعرفة، والضياع باليقين. فالنص لا يكتفي بتصوير علاقة عاطفية، بل يبني ميتافيزيقا حب تُعاد فيها صياغة مفاهيم الحضور، والغياب، والحدود، والمطلق.

أولاً: البنية التكرارية وبناء المعنى

يشكّل التكرار لازمةً دلالية مركزية في القصيدة، إذ تتردّد عبارة «حبيبان نحن وأكثر» في مفاصل النص، لتؤدي وظيفة إيقاعية من جهة، ووظيفة تأويلية من جهة أخرى. ف«الأكثر» هنا لا يُحدَّد كمّياً، بل يُفتح على معنى فائض يتجاوز حدود التعريف:

«حبيبانِ نحنُ … وأكثرْ
وما زاد عن وردنا من عبيرٍ
نصيبُ الفراشاتِ منه كبيرٌ… وأكبرْ»

العبير الزائد عن الوردة يتحوّل إلى قيمة جمالية مشتركة، أي إن الحب لا يُستهلك داخل العلاقة بل يُفيض إلى العالم، فيغدو تجربة إشعاع لا امتلاك.

ثانياً: جدلية الظهور والاحتجاب

يحضر ثيمتا النور والضباب بوصفهما قطبين دلاليين يؤسسان لجدلية الظهور والاحتجاب، وهي جدلية مركزية في النص:

«ولا نستحي أن نواري
مصابيحَنا البيّناتِ وراء الضباب
فهل يختفي قمرٌ
يقطفُ الضوء من بحر عينيكِ
إلا ليظهرْ»

الاحتجاب هنا ليس نفيًا للحقيقة، بل شرطًا لتمام تجلّيها. فالقمر لا يختفي إلا ليظهر أكثر اكتمالاً، وهو ما يحيل تأويليًا إلى أن الحب الحقيقي لا يُبتذل في المباشرة، بل يتعمّق في الغموض المنتج للدهشة.

ثالثاً: الصورة الشعرية والانزياح الدلالي

تتأسس الصور الشعرية في النص على انزياحات مركبة، تمزج بين الحسيّ والمجرّد، وتعيد ترتيب العلاقات بين الأشياء. ومن ذلك قوله:

«كنتُ شهقةَ غيمٍ على شفَة الليلِ
حين احتككتِ برمل خياليَ أزهَرْ»

فالذات تتحوّل إلى «شهقة غيم»، وهي صورة تجمع العابر بالعلوي، فيما يتحوّل «رمل الخيال» - وهو موضع القحط عادة - إلى مجال للإزهار، في دلالة على قدرة اللقاء العاطفي على إخصاب الوجود الداخلي.

رابعاً: الحب بوصفه ضلالاً يقينيًّا

من أبرز المفارقات الدلالية في القصيدة قلبُ المعايير المنطقية بين الضلال واليقين:

«ضلالُكَ هذا الرحيمُ
إلى اللا وصول يقودُ سفيني
وصولي إليكَ ضياعي فيكَ
ضلالُكَ فيَّ يقيني»

هنا يبلغ النص ذروة تأويله الفلسفي، إذ يتحوّل الضلال من قيمة سلبية إلى شرط للمعرفة، ويتحوّل الوصول إلى نوع من الفقد الخلّاق. وهو تصور ينسجم مع الرؤية الصوفية الحديثة التي ترى في الحب طريقًا معرفيًا لا غايةً نهائية.

خامساً: خطاب الجسد وتكثيف الحسيّة

لا يغيب الجسد عن النص، غير أنّ حضوره لا يأتي فاضحًا أو مباشِرًا، بل مُشفّرًا عبر الاستعارة:

«جسمُكِ الآن يختلجُ الآن بين يديَّ
على موج خوخٍ وعنبرْ»

فالخوخ والعنبر يحيلان إلى اللذة والعطر والنعومة، فيتحقق تماسّ جسديّ مموَّه بلغة حسّية راقية، تُجنّب النص الابتذال وتمنحه بعدًا جماليًا.

سادساً: أفق الخاتمة وانفتاح المعنى

تنتهي القصيدة دون انغلاق دلالي، إذ يعود سؤال الظهور والاختفاء:

«وهل يختفي قمرٌ
قطفَ البحرَ من بحر عينيكِ
إلا ليظهر؟!»

وهو سؤال استنكاري يعيد القارئ إلى بداية الدائرة التأويلية، مؤكّدًا أن الحب، مثل القمر، حركة دائمة بين الخفاء والتجلّي.

الأسلوب واللغة

يتسم أسلوب توفيق أحمد ب:

• كثافة الصورة الشعرية وتراكم الاستعارات.
• الانزياح اللغوي عن الدلالة المباشرة.
• التكرار البنائي بوصفه أداة إيقاع ومعنى.
• التداخل بين الغنائي والفلسفي.

التعريف بالكاتب

توفيق أحمد شاعر عربي معاصر، يكتب قصيدة التفعيلة والنص الغنائي الحديث، وتتميز تجربته بالانحياز إلى اللغة المشحونة بالرمز، وبالاشتغال على ثيمات الحب، والذات، والوجود، مع نزعة تأملية واضحة تمزج بين الحسّ العاطفي والرؤية الفكرية.

خاتمة

تُقدّم قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» نموذجًا لقصيدة الحب الحديثة التي تتجاوز الوصف العاطفي إلى بناء رؤية كونية، حيث يصبح الحب فعل معرفة، والضياع شكلًا من أشكال اليقين، واللغة أفقًا مفتوحًا للتأويل. وبذلك ينجح النص في ترسيخ جماليات الشعر العربي المعاصر، القائم على الانفتاح الدلالي وتعدد القراءات.

المراجع والمصادر

• أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت.

• عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب.

• صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

• محمد بنيس، الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، دار توبقال.

• نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين.
أستاذة جامعية وأديبة وباحثة