آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 8:35 م

بين هيبة الأمس وضجيج اليوم: أين ذهب الاستعداد النفسي للطالب؟

في ذاكرة كل تربوي مخضرم توجد صورة لا تمحى لقاعة الدرس وذلك السكون المهيب الذي يسبق دخول المعلم وتلك العيون المترقبة التي تحمل مزيجاً من الرهبة والاحترام والشغف حيث لم يكن الهدوء وقتها مجرد صمتٍ مفروض بقوة السلطة وإنما كان تعبيراً عن حالة من الاستعداد النفسي الكامل لتلقي المعرفة من منابعها الصافية حيث كان الطالب يدخل الفصل وكأنه يدخل حرماً مقدساً مهيأً ذهنياً لعملية التلقي.

أما اليوم وبمجرد أن تطأ أقدامنا القاعات الدراسية يواجهنا واقع مغاير تماماً لتلك الصورة ضجيج لا يهدأ وتشتت ذهني واضح وأجساد حاضرة بينما العقول هائمة في عوالم افتراضية أو مثقلة بهموم الواقع وهذا التباين الصارخ يطرح تساؤلاً جوهرياً يتجاوز جدران الفصل الدراسي: أين ذهب ذلك الاستعداد النفسي للطالب؟ وهل نحن أمام أزمة تعليمية عابرة أم انعكاس لأزمة تربوية ومجتمعية عميقة الجذور؟

لماذا كان الطالب مستعداً؟

إن الاستعداد النفسي الذي ميز طلاب الأمس لم يكن وليد الصدفة بل كان نتاجاً لمنظومة قيمية وتربوية متكاملة تبدأ من البيت قبل المدرسة. كانت الأسرة العراقية تلعب دور الممهد الفعلي للطريق وكان الآباء يرسلون أبناءهم إلى المدرسة برسالة ضمنية مفادها أن المعلم هو الامتداد التربوي للأب. وهذه السلطة الأدبية منحت المعلم الكاريزما اللازمة لضبط الصف دون عناء كبير. وقد أشار الزغول «2012» في دراساته حول علم النفس التربوي إلى أن البيئة الآمنة والمنضبطة هي الشرط الأول للتعلم الفعال وهو ما كان متوفراً بفضل هذا التحالف بين البيت والمدرسة.

ولا ننسى أن التعليم يُنظر إليه باعتباره طوق النجاة والوسيلة الوحيدة للارتقاء الاجتماعي وهذا الإيمان الراسخ خلق لدى الطالب دافعية داخلية قوية «Intrinsic Motivation» جعلته يصبر على قسوة الظروف وصعوبة المناهج لأن الهدف كان واضحاً ومقدساً.

عوامل تآكل الاستعداد النفسي

في المقابل يعيش الطالب اليوم وسط ضجيج مركب ومتعدد الأوجه ساهم في تفتيت استعداده النفسي ويأتي الضجيج التكنولوجي وتشتت الانتباه في الصدارة حيث إننا نتعامل مع جيل المواطنة الرقمية حيث أدت الثورة التكنولوجية إلى تغيير جذري في بنية الدماغ وطريقة معالجة المعلومات فالطالب الذي اعتاد على مقاطع الفيديو القصيرة «Reels & TikTok» التي لا تتجاوز الدقيقة يجد صعوبة فسيولوجية ونفسية في التركيز لمحاضرة تمتد لساعة وهو ما أكده كار «Carr, 2011» في كتابه ”The Shallows“ أن الإنترنت يسهم في تشتيت الانتباه وتقليل القدرة على التفكير العميق مما يخلق جيلاً يعاني من الملل السريع وعدم القدرة على الصبر المعرفي.

ومع تغيير نظرة المجتمع للتعليم من ”رسالة“ إلى ”سلعة“ أو مجرد شهادة للوجاهة الاجتماعية - في الغالب - كما أن تراجع المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمعلم في بعض الفترات أثر سلباً على صورته الذهنية لدى الطالب الأمر الذي أضعف تلك الهيبة التلقائية التي كانت تضبط السلوك. كذلك لا يمكننا إغفال السياق الخاص للطالب العراقي والعربي حيث الظروف السياسية والاقتصادية والحروب خلقت نوعاً من الصدمات النفسية غير المعالجة وما يسميه علماء النفس بـ ”العجز المكتسب“ «Learned Helplessness». عندما يرى الطالب خريجين بلا عمل يتسرب إليه شعور باللاجدوى فيأتي للقاعة فاقداً للشغف ومثقلاً بقلق المستقبل وكما تشير دراسة الشمري «2018» فإن الضغوط النفسية الناتجة عن عدم الاستقرار تؤثر بشكل مباشر وكبير على التوافق الدراسي والقدرة على الاستيعاب.

الانعكاسات على الموقف التعليمي

إن غياب الاستعداد النفسي حول الطالب من شريك في التعلم إلى متلقٍ سلبي أو مشاغب كرد فعل دفاعي ضد الملل هذا الوضع يضع المعلم الجامعي والمدرسي في تحدٍ يومي؛ فهو لا يحتاج فقط لشرح المادة العلمية فقط بل يضطر لبذل جهد مضاعف لاستدراج انتباه الطالب وإقناعه بأهمية ما يسمع وهذا الاستنزاف لطاقة المعلم يؤثر بالتبعية على جودة التعليم المقدم.

نحو استعادة التوازن.. رؤية للحل

إن الحنين إلى الماضي لا يعني المطالبة بعودة أساليب القسوة بل يعني استعادة القيم بأدوات عصرية الحل يتطلب مقاربة شمولية:

تطوير طرائق التدريس: الانتقال من التلقين إلى التعلم النشط والتفاعلي الذي يحاكي عقلية الجيل الرقمي بحيث يصبح الطالب جزءاً من صناعة المعرفة داخل القاعة وليس مجرد مستهلك لها.

الدعم النفسي والإرشادي: تفعيل دور وحدات الإرشاد النفسي والتربوي في المدارس والجامعات للتعامل مع قلق الطلاب ومساعدتهم على استعادة توازنهم قبل دخول القاعة.

إعادة صياغة العقد الاجتماعي: توعية الأسر والمجتمع بأن هيبة التعليم هي خط أحمر وأن الاستعداد النفسي يبدأ من التربية المنزلية التي تغرس قيم الاحترام والمسؤولية.

ختاماً: إن الاستعداد النفسي للطالب هو الحلقة المفقودة في بيئتنا التعليمية اليوم واستعادته ليست مهمة المعلم وحده بل هي مشروع مجتمعي متكامل يهدف لإعادة القدسية للعلم والسكينة للنفس البشرية التواقة للمعرفة وسط كل هذا الضجيج.

أستاذ في كلية الإمام الكاظم عليه السلام بالعراق