آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:00 م

براعة الأخذ وثقافة العطاء

ياسين آل خليل

نعيش اليوم في بيئة يبرع كثير من أهلها في الأخذ، حتى غدا الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح. أصبح السؤال الأكثر حضورًا: ”ماذا سأكسب من هذه العلاقة..؟“ بدلًا من: ”ماذا أستطيع أن أضيف إليها..؟“. وهكذا تحولت العلاقات الإنسانية إلى عقود غير مكتوبة، تحكمها المصلحة والمنفعة، ليغدو الآخر مجرد وسيلة لا غاية.

غير أن العطاء ليس مجرد خُلق يُضاف إلى قائمة الفضائل، بل هو حاجة نفسية وروحية لا يستغني عنها الإنسان. فمن يمنح وقته، أو ماله، أو حتى حضوره الصادق، يكتشف أنه هو المستفيد الأول. العطاء يوسع القلب، ويحرر النفس من أسر الأنانية، ويمنح للحياة معنًى يتجاوز حدود الذات الضيقة. ففي لحظة البذل يختبر المرء أرقى صور الإنسانية.

كثيرون يظنون أن العطاء يُنقص مما لديهم، لكن التجربة تثبت العكس. فما يُمنح لا يضيع، بل يعود مضاعفًا في صورة رضا داخلي أو أثر طيب يُزرع في الآخرين. اليد التي تعطي لا تفرغ، بل تمتلئ من جديد بقيمة أسمى. وكل كلمة صادقة، وكل لمسة دعم، وكل فعل نقي، يترك أثرًا قد يغيب عن العيون، لكنه يبقى شاهدًا في القلوب والوجدان.

أما الأخذ المتواصل دون عطاء، فإنه يحوّل صاحبه إلى أسير شهوة لا تشبع. فكل مكسب مادي أو معنوي لا يقابله بذل، سرعان ما يتحول إلى حمل ثقيل لا يُشبع الروح. وكم من أصحاب مال وجاه يفتقدون السلام الداخلي لأنهم لم يتذوقوا لذة أن يمنحوا دون انتظار مقابل. الأخذ وحده يخلق فراغًا عميقًا لا تملؤه الماديات، بينما العطاء يروي عطشًا لا يسكنه سوى الكرم.

والعطاء لا ينحصر في المال أو الصدقات، بل يتجلى في صور صغيرة تبدو عابرة لكنها تحمل معاني عظيمة. ابتسامة صافية في وجه مثقل بالهموم قد تفتح نافذة أمل في قلبه. إصغاء صبور لشخص يبحث عن أذن تسمعه قد يكون أبلغ أثرًا من هدية باهظة. حتى كلمة طيبة تُقال في وقتها قد تداوي جرحًا ظل ينزف سنوات.

إن ثقافة العطاء لا تُكتسب من الكتب وحدها، بل تُبنى بالممارسة اليومية التي تبدأ من أبسط التفاصيل. حين يقرر الإنسان أن يمنح من نفسه ولو شيئًا يسيرًا كل يوم، فإنه يدرب قلبه على الرحمة، وروحه على الاتساع. ومع الوقت، يصبح أكثر تجردًا من الأنانية، وأكثر قدرة على رؤية الآخرين كما هم.. بشر يستحقون أن يُضاء لهم الطريق كما نحب أن يضيء لنا الآخرون.

وأجمل ما في العطاء أنه يتجاوز حدود العمر والزمن. قد يُنسى اسم من منح، لكن أثر عطائه يظل حيًا في النفوس والذكريات، يتنقل من قلب إلى آخر كوميض لا يخبو. أما الأخذ وحده، فإنه سريع الزوال، يبهت بقدر ما يبهت بريق المكاسب. وهكذا يبقى العطاء هو الخيط الذي يصل الإنسان بالخلود، بينما يظل الأخذ وحده مجرد محطة عابرة في رحلة الحياة.