آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

ما جى الفاتحة

سراج علي أبو السعود *

العتب يدل، في جانبٍ منه، على المحبة. غير أنّه قد يبلغ بصاحبه درجة من العجز عن فهم - أو لِنَقُل استيعاب - الأسباب التي تجعل المعاتَب لا يظهر في صورته الأجمل في عين من يعتب عليه. إنه، باختصار، عقل لا يستطيع أن يفهم أن شخصاً يعمل على بُعد مئات الكيلومترات لا يملك دائماً القدرة على مباشرة أفراح الناس وأحزانهم، وأن شخصاً لديه عائلة تحتاجه قد تحول أحياناً بينه وبين صلة فرح أو حزن في توقيت معيّن. ولا يفهم كذلك أن سيرةً ذاتية قُدِّمت لم تُوظَّف، لأن الشركة - باختصار - ليست شركة والده. والأسباب في هذا السياق أكثر من أن تُحصى، ويبقى الشاهد أن محملاً حسناً واحداً لا يكاد يُمنح لمن لم يأتِ الفاتحة، أو لم يوجِّب أخاه في محفلٍ ما، أو قضاء حاجة. وهنا يبدو الحديث إنشائياً حين يُقال: أيها الناس، احملوا الآخرين على محامل حسنة. غير أن المسألة، في جوهرها، أبعد من ذلك بكثير؛ إذ تعود إلى نمط من التربية يقوم على خلق حقوق وواجبات على الآخرين هي، في حقيقتها، غير صحيحة. فيعيش الإنسان، شاء أم أبى، متذمراً من سلوك الناس، ومن عدم انصياعهم للصورة النمطية التي أسّسها في ذهنه، ليكون بالنتيجة عقلاً غير هادئ، مضطرباً دائماً، وربما مريضاً بمرض العتب على الآخرين.

أظن أنني لن أسمح لنفسي أن أعاتب شخصاً لم يأتِ الفاتحة؛ لا لعدم مكانته عندي، بل لأن الناس عندها اللي يكفيها. نعم، إن جاءني شكرت له صنيعه أعظم الشكر، وإن لم يأتِ لم ينقص من قدره مقدار أُنملة، حتى وإن لم يحل بينه وبين القدوم حائل. أنا، باختصار، لا أجد لنفسي حتى مجرد حق العتب. فلان ما جانا، علان ما يوجِّبنا، وهكذا تتراكم الحكاية حتى يصنع الإنسان في داخله غريزة النهش في لحوم الآخرين بحجة: «ما وجَّبنا». وخطورة هذا المسار أنه يخلق أسباباً للتباغض المجتمعي من أشياء أظنها - في أصلها - تافهة، لكنها تتضخم مع الوقت. إنها تشبه كرة الثلج؛ تبدأ صغيرة، ثم تتدحرج لتصنع من اللا شيء فرقةً ونزاعاً بين الناس. ويغذّي هذا السلوك أبناءنا، حين يسمعون حوارات لا تكاد تخفت من آبائهم وأمهاتهم، ومن يكبرونهم سناً. فلا يكون نصيبهم من الحديث علماً، ولا خلقاً، ولا حتى رياضة، بل يدور في فلك: فلان اللي ما جى الفاتحة، وعلان اللي ما جى الفرح، حتى تتغلغل هذه الأفكار في وعي الأطفال، فيكبرون صوراً كربونية ممن سبقوهم، مرضى بالعتب على الآخرين.

يجلس كثير من الموظفين صباحاً؛ «يصلّوا، يحلقوا، يتسبحوا»، ثم يذهبون إلى أعمالهم ليقضوا يومهم حتى ينقطع جوفهم من التعب. يعودون إلى بيوتهم منهكين، لا يملكون وقتاً ولا طاقة عادةً للذهاب لتهنئة فلان أو تعزية علان. ومع ذلك، يطالبهم فلان وعلان أن يكونوا من حديد. فإذا عجز إنسان عن أن يوجِّبهم، مضغوه بألسنة غلاظ شداد، غير مدركين أن الله سبحانه وتعالى خلق البشر من لحم ودم، وأن أجسادهم لا تتّسع لمباشرة هذا الكم الهائل من أفراح الناس وأحزانهم. ولو أراد رجلٌ ألا يدع مناسبةً إلا ويشارك فيها، فأغلب الظن أننا سنرى اسمه قريباً ضمن قائمة من يُترحَّم عليهم وتُذكر مآثرهم.