آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

سوء الإدارة المالية داخل الأسرة

ناجي وهب الفرج *

تُعدّ الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع التنموي، واستقرارها المالي عاملٌ أساسي في تحقيق الطمأنينة النفسية والتوازن التربوي لأفرادها. غير أنّ سوء الإدارة المالية داخل الأسرة يُعدّ من أبرز أسباب التوتر الأسري، وتفكك العلاقات، وتعطّل الطموحات. وقد أولى الإسلام عناية خاصة بتنظيم شؤون النفقة والتدبير الأسري، فجاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأحاديث أهل البيت لتضع منهجًا متكاملًا في حسن التدبير المالي داخل الأسرة.

إنّ سوء الإدارة المالية داخل الأسرة هو الإخفاق في تخطيط الدخل، أو توزيع المصروفات، أو ضبط الإنفاق، بما يؤدي إلى العجز المالي، أو تراكم الديون، أو حرمان الأسرة من احتياجاتها الأساسية. ويظهر ذلك جليًّا في صور متعددة، منها:

• الإسراف في الكماليات على حساب الضروريات.

• غياب ميزانية أسرية واضحة.

• سوء ترتيب الأولويات.

• الإنفاق بدافع المظاهر الاجتماعية.

• إهمال الادخار للمستقبل.

تكمن أسباب سوء الإدارة المالية الأسرية في الآتي:

1. ضعف الوعي المالي لدى أحد الزوجين أو كليهما.

2. غياب الحوار والتخطيط المشترك داخل الأسرة.

3. التقليد الأعمى لأنماط استهلاكية غير مناسبة.

4. ضعف الوازع الديني في التعامل مع المال.

5. سوء توزيع الأدوار والمسؤوليات المالية داخل الأسرة.

تنعكس الآثار السلبية لسوء الإدارة المالية داخل الأسرة على نواح عدة تتمثل في الجوانب التالية:

• اجتماعيًّا: كثرة الخلافات الزوجية، وضعف الاستقرار الأسري.

• نفسيًّا: القلق الدائم، والشعور بعدم الأمان المالي.

• تربويًّا: نقل سلوكيات مالية خاطئة إلى الأبناء.

• اقتصاديًّا: تراكم الديون، والعجز عن مواجهة الطوارئ.

أكد القرآن الكريم على مبدأ الاعتدال في الإنفاق، وهو أساس الاستقرار المالي داخل الأسرة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67]

كما نهى القرآن عن التبذير الذي يُعدّ مظهرًا من مظاهر سوء التدبير:

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء: 27]

وبيّن القرآن أن النفقة مسؤولية وأمانة، فقال تعالى:

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ [الطلاق: 7]

رسّخ النبي محمد ﷺ مبدأ المسؤولية والمحاسبة في إدارة المال، فقال:

«كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت» [رواه أبو داود].

وحذّر ﷺ من الإسراف، حتى في الأمور المباحة، فقال:

«كلوا واشربوا وتصدّقوا والبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة» [رواه النسائي].

كما أكّد ﷺ أن النفقة على الأهل عبادة يُؤجر عليها الإنسان:

«دينارٌ أنفقته في سبيل الله… ودينارٌ أنفقته على أهلك أعظمها أجرًا» [رواه مسلم].

كما قدّم أئمة أهل البيت نموذجًا راقيًا في الاعتدال وحسن التدبير داخل الأسرة. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب :

«التدبيرُ قبلَ العملِ يؤمِّنُك من الندم» [غرر الحكم].

وقال أيضًا:

«ما عالَ من اقتصد» [نهج البلاغة]

وعن الإمام جعفر الصادق :

«ضمنتُ لمن اقتصد أن لا يفتقر» [الكافي].

وتؤكد هذه النصوص أن القصد والتخطيط هما أساس الكفاية والاستقرار الأسري.

ومن سبل معالجة سوء الإدارة المالية داخل الأسرة:

1. وضع ميزانية أسرية واضحة بمشاركة الزوجين.

2. تعزيز ثقافة الاعتدال في الإنفاق داخل الأسرة.

3. ترسيخ الحوار الأسري حول الأولويات المالية.

4. الادخار للطوارئ والمستقبل.

5. تربية الأبناء على الوعي المالي والاقتداء بالسلوك الرشيد.

إن سوء الإدارة المالية داخل الأسرة يُعدّ من أخطر التحديات التي تهدد استقرارها، غير أنّ المنهج الإسلامي قدّم حلولًا متكاملة تقوم على الاعتدال، والتخطيط، وتحمل المسؤولية. ومن خلال الالتزام بتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية وأحاديث أهل البيت ، تستطيع الأسرة أن تحقق الاستقرار المالي، وتؤسس لبيئة تربوية سليمة تُخرّج أفرادًا واعين ومسؤولين.

المصادر:

• القرآن الكريم.

• صحيح مسلم.

• سنن أبي داود.

• سنن النسائي.

• نهج البلاغة - الإمام علي بن أبي طالب .
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية