رجال ترفع الدروازة
هل صحيح هذا البيت من الشعر الشعبي:
راحت رجالٍ ترفع الدروازة… وجات رجال المطنزة والعازة.
وإن كان غير صحيح فإلى أي مدى أضحى لبيتِ الشعر مصاديقَ في الواقع الحالي.
في عدد ليس بالقليل من الدول الشرقية والغربية، تشتكي نساء كُثر من تبلد رجالهن وأولادهن عن القيام بأدنى مسؤولية نحو البيت وصيانته، وحتى شراء عُزبة البيت الغذائية وتسديد فواتير كهرباء وماء البيت ورمي القمامة وتنظيف الأسرة بعد النوم عليها. والواقع أن منذ ولادة الإنسان لهذه الدنيا، قدم الأبوان «الأب والأم» بشكل متعاضد ومتعاون وتكاملي كل ما في وسعهم وتحت إمكانياتهم لأبنائهم حتى يعيش الأبناء معززين مكرمين ومحمين ومدللين. إلا أن مفاهيم ومؤثرات وإعلامًا رقميًا قلبت الصورة في بعض المناطق وبالتالي بعض الأسر.
كبر ذلك الإنسان، ومن المفترض كبر الاعتماد فيه على نفسه لأنه سعى ويسعى للاستقلال والتصرف بمفرده، وما يقدح من لبنات أفكاره، ويسعى لتبوؤ مقعد مميز له في المجتمع والوطن والأمة. وكون أسرة بعد الزواج ودخل عالم الكفاح ومعترك رحلة الحياة، يُقال للشاب الناجح بأنه رجل يُعتمد عليه، أو رجل بعدد شيخ قبيلة، أو هو بعدد كتيبة إن نجح في إدارة كل أمور حياته بمعدلات عالية وتناغم سريع، وكون ثروة مالية وأحرز امتلاك سكن محترم ومجد وعز واسم لامع وسمعة طيبة، وأضحى محل افتخار للآخرين، ويُشار له بالبنان كقدوة صالحة ونموذج يستحق الاقتداء به. والحمد لله في جنبات مجتمعنا كُثر من هذا الصنف الطيب من الرجال.
والعكس صحيح، إن الشاب فشل وأخفق بشكل متكرر في إدارة حياته وبيته وأبناءه ومستقبله؛ فلا يراه الآخرون حتى والداه وزوجته وأولاده إلا عبئًا ومؤشر إخفاق ونموذجًا للكسل ووصمة عار. وهنا يكون الإنسان مصداقًا لمقولة المثل:
راحت رجالٍ ترفع الدروازة… وجات رجال المطنزة والعازة.
في السابق إذا سمع أحدنا بلقب هذا شخص وجيه، فإن قلبه وعيناه تنظر لذاك الشخص بوجل ووقار واحترام؛ وتفترض بأن نسبة الذكاء لدى ذلك الشخص الملقب بالوجيه حادة، والفطنة متأصلة، والمبادرة في حلحلة التحديات التي تواجه أبناء مجتمعه متأصلة. ففي حضور الوجيه سابقًا يركن الأغلب للاستماع لحكمه وقصص شجاعته وصلابة مواقفه وكرمه وحسن تواضعه، والاستلهام من أفكاره النيرة، واستنساخ قصص نجاحه في الأعمال وإدارة الحوار واستكشاف آفاق التعاون مع الآخرين.
يبدو أن لقب وجيه استنزف إعلاميًا في الاستخدام ببعض المناطق والدول، فأضحى كثير من الناس يغمزون ولا يعيرون اهتمامًا لهكذا مسمّى، وأضحى بعض ممن يسمون بالوجهاء مجرد أصحاب أموال يقيمون مآدب كبيرة ويحاطون بمتنفعين وتوزيع هدايا متبادلة بين طبقة مخملية لم تحقق شيئًا ملموسًا على الأرض. فلا شجاعة تُرى، ولا حكمة تُستفاد، ولا مظلمة تُرفع، ولا تحديات «بطالة / طلاق / انخفاض أجور / أزمات متعددة / انهزام هوية» تُحل.
والحال امتد منذ أن ضخمت بعض الحملات الإعلامية داخل بعض المجتمعات في ترويج مسميات وألقاب ومصطلحات مثل: امرأة قوية، امرأة مستقلة، طموحة، مميزة، معتمدة على نفسها، بسبعين رجلًا، أفضل من عشرة رجال، لبؤة، بنت الرجال، … إلخ. مسرحية المجاملات وتوزيع الألقاب المفرطة في عالم المرأة العاطفية لعبت دورًا كبيرًا في إعادة تشكيل الأفكار ونفخ روح المعاندة وترويج أفكار نسوية مناكفة لدور الرجل القويم. ودخلت بعض النساء معترك سوق العمل والأعمال بنية التشفي من الرجل والتمرد على المجتمع والانتقام من ذكورية المجتمع. ومع خوض التجربة وإبراز التسلط والارتكاز على المال والشهادة كسند أساس، ووحيدًا لحفظ كرامة المرأة في نظر بعضهن.
جفل بعض الأزواج وبعض الأبناء وبعض الآباء، فأضحى العبء العقلي على بعض النساء «والعاطفي» هو الجهد المستمر وغير المرئي المرتبط ليس فقط بالتخطيط، والاستدراك، والشرح، وإعادة الشرح، والتذكر والتذكير، والتنظيم، بل حتى الإنفاق أو المشاركة بالإنفاق المالي على البيت، لإدارة شؤون الحياة اليومية بإيقاعات سريعة ومطالب متعددة. وقع كل ذاك بشكل مضطرد وأحدث عبئًا كبيرًا وغير متكافئ على بعض النساء العاملات/الموظفات ممن لديهن خبرة ضحلة في التعامل مع الناس في الشارع والورش وشركات العفش/الطرود وأعمال الصيانة وأعمال البناء.
ارتخت قبضات بعض الرجال وتناسى البعض منهم مسؤولياته الأساسية، حتى إن بعض أزواج الموظفات شعر بالتهميش بسبب تغير سلم الأولويات لدى الزوجة الموظفة، والبعض الآخر من الرجال اغتنم الفرصة لأخذ مكافأة ذاتية عبر ممارسة المزيد من الاسترخاء. وصار شعار كثير من الأزواج للموظفات الجسورات والعنيدات والنسويات: هذا ما كنت تريدينه، والآن استمتعي بالمزيد من المسؤولية واثبتي جدارتك! أنت مستقلة وكفوءة وقدها، موفَّقة! ألم تكوني أنت من تقولين لو أن كذا يصير كان أعمل كذا وكذا؟ يا الله، الآن صار ما كنت تتمنين، فافعلي ما كنت توعدين بعمله!
منذ صُنّفت المرأة بصفة «مستقلة»، وأُعطيت المرأة الأولوية في التوظيف للكثير من الوظائف، حتى إن بعض البيوت أضحت المرأة تعمل والرجل عاطلًا، والبون الشاسع في العلاقات آخذ للمزيد من التوتر؛ بعض أو أغلب الرجال في بعض بقاع الدنيا نفضوا أيديهم/ينفضون أيديهم عن بعض الأعباء والمسؤوليات المنزلية الواجبة، وانتقلت العدوى حتى من الأولاد الذكور نحو أمهاتهم وأخواتهم.
الواقع أن الحياة تكامل أدوار وتوزيع مهام لإنجاح البناء الأسري. هناك عدة أنظمة أسرية تربوية تعالج هذا الأمر بالتفاصيل، أنصح بالاطلاع عليها وتطبيقها لتفادي انهيار المزيد من البيوت. يجب أن تكون الأولوية لدى المرأة العاملة والرجل العامل هي الأسرة وبقاء الأسرة.
الرجل الشهم بحق صاحب غيرة على زوجته وبنته وأفراد أسرته، ويضحي من أجلهم جميعًا. يجب على الرجل سرعة التنفيذ ولا يؤجل أداء حقوقه وواجباته والتزاماته نحو زوجته وأمه وابنته، حتى لو كانت زوجته امرأة حديدية أو كما يقال توازي عشرة رجال. فالرجل مسؤول عن إدراج الأولويات وصنع الوقت وإدارة الضغوط عن أفراد أسرته، لا سيما النساء: «استوصوا بالنساء خيرًا» و«خيركم خيركم لأهله»، حديثان شريفان منسوبان للنبي محمد ﷺ. فنحن وإياكم نفتخر بما أنجز الآباء والإخوة والشباب الصاعد.














