آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

مجد الحق

سوزان آل حمود *

منذ فجر الخليقة والصراع محتدم بين النور والظلمة، بين جوهر الحقيقة وزخرف الباطل. إن الحق ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو الركيزة التي بُنيت عليها السماوات والأرض. ومهما انتفش الباطل، وتمدد كسرابٍ يحسبه الظمآن ماءً، ومهما طالت ليله وتعددت وجوهه، فإنه يحمل في طياته بذور فنائه.

فهو كفقاعة هواء مهما تعاظمت فإنها إلى انفجار. أما الحق، فهو المعدن النفيس الذي لا يزيده طرق الزمان إلا لمعاناً، ولا تزيده المحن إلا رسوخاً، فهو الباقي بإرادة الله، والباطل مهما علا، آيل إلى أفول.

إن مجد الحق ليس تيجانًا تُوضع على الرؤوس، ولا صولجانات تُحمل في المحافل، بل هو سلطة أخلاقية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

يتجلى مجد الحق في أنه لا يستمد قوته من كثرةِ عدده، بل من قدسية مصدره. لقد وضع الله لنا في القرآن الكريم موازين ثابتة لا تميد، تخبرنا أن الغلبة ليست لمن ملك أدوات الدنيا، بل لمن تمسك بحبل الحقيقة.

يكمن مجد الحق في تلك القوة الخفية التي تجعل كلمة واحدة من ”صادق“ تزلزل عروشاً بنيت على الزور. إنها الكاريزما الإلهية التي تجعل الضحية أقوى من الجلاد، والمبدأ أبقى من المصلحة.

ويصور لنا القرآن الكريم حال الحق والباطل في مشهد مهيب، يقول تعالى:

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [الرعد: 17]

هنا ندرك أن الباطل ”زبدٌ“ يطفو على السطح، يثير الجلبة لكنه بلا وزن، بينما الحق هو النفع الراسخ في الأعماق.

إن صمود الحق ليس سكوناً، بل هو قوة ضاربة، يصفها الله بقوله:

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: 18]

كلمة ”يدمغه“ تعكس الشدة في إصابة لب الباطل ومقتله، ليعلم العالم أن الكثرة الكاذبة تنهار أمام الصدق الواحد الثابت.

لم يكن الحق يوماً بحاجة إلى حشودٍ زائفة ليكون حقًا، فالحق يستمد قوته من كونه حقًا، بينما يضعف الباطل لأنه يستند إلى وهم.

بصيرة:

يا أيها السائر في دروب الحياة، لا يغرنك بريق الباطل وإن خطف الأبصار، ولا يوحشنك طريق الحق وإن قلّ سالكوه. إن البصيرة الحقة هي التي تدرك أن عاقبة الأمور ليست بما تراه الأعين في الحاضر، بل بما يقره العدل الإلهي في الخاتمة. الحق فضيلة تنير الروح، وتربط القلب بخالقه، وهي السفينة الوحيدة التي لا تغرق في طوفان الزيف. فاجعل الحق ديدنك، والصدق بوصلتك، واعلم أن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل، والصبحُ دائماً قريب.

ختامًا:

الفجر لا يُخلف ميعاده في نهاية المطاف، وليس المجد أن تغلب، بل المجد أن تكون على صواب. إن ”مجد الحق“ هو تلك اللحظة التي تشرق فيها الحقيقة عاريةً من كل تزييف، لتغسل بضوئها أدران الباطل. فكن مع الحق حتى لو كنت وحدك، فالحق في ذاته ”أغلبية“ لا تُقهر، ونورٌ لا يُطفأ، ومجدٌ يمتد من تراب الأرض إلى عنان السماء.