ليس كل ضياع خسارة
وقف جاسم عند نافذة الاستقبال، وصوته يعلو أكثر مما ينبغي، كأن الغضب صار درعَه الأخير أمام خوفٍ لا يريد الاعتراف به:
- سأذهب إلى الإدارة وأشتكيكم!
كيف يضيع ملفي؟
سنواتٌ وأنا أراجع عندكم، ثم تقولون لي: لا يوجد ملف!
كان صوته يحمل ارتجافةً خفيّة؛ خوفًا من ضياع تاريخٍ طويل من الفحوصات، والأوجاع، والتقارير الطبية التي اعتاد أن يعود إليها كل مرة، كأنها شهادة موثّقة على معاناته، وكأن الألم إذا كُتب صار أكثر أمانًا.
على الطرف الآخر، ابتسم موظف الاستقبال محمد بهدوءٍ نادر؛ هدوءٌ يشبه نسيمًا باردًا في ظهيرةٍ متعبة. هدوء لا يولد إلا من قلبٍ إيجابيٍّ أدرك باكرًا أن بعض الخسارات ليست نهاية، بل فرصة للتخفّف.
قال بلطفٍ لا يخلو من حكمة:
- ولماذا تعيد التاريخ القديم؟ ابدأ من جديد.
هناك ملفات إذا ضاعت… ارتحنا منها.
تحمل وجعًا، ومشاكل، وسجلًّا طويلاً من المصائب.
انتفض جاسم، وكأن أحدهم مسّ جرحه مباشرة:
- لكن هذا ملفي الطبي!
فيه تاريخي المرضي، وما عندي غيره.
والآن سأعيد الفحوصات من جديد بسببكم!
ابتسامة محمد اتّسعت، لا سخرية فيها ولا تحدٍّ، بل إصرار هادئ:
- ومنذ سنوات وأنت تتعالج… هل تغيّر شيء؟
لماذا لا تفتح صفحة جديدة؟
ملف جديد، بداية جديدة… ولن تدفع ريالًا واحدًا.
هزّ جاسم رأسه بعنادٍ يشبه التعلّق بطوقٍ مثقوب:
- هذا ملفي، وأنا حرّ فيه.
أريده كما هو، بما فيه من أمراض ومشاكل.
لا أريد أن أبدأ من جديد.
نظر إليه محمد نظرة مشفقة، وقال بصوتٍ خافت كمن يحدّث نفسه:
- صدّقني… لا أعرف كيف ضاع.
لكن أحيانًا، الحياة نفسها ترفض الاحتفاظ بالملفات القديمة السلبية.
ارتفع صوت جاسم فجأة، وقد نفد صبره:
- أرجو أن تحتفظ بهذه المحاضرة لنفسك!
أنا جئتُ لأتعالج، لا لأستمع إلى فلسفات!
ثم أردف بحدّة:
- هذه ليست مسؤوليتي!
إمّا أن تجدوا الملف… أو أذهب للإدارة.
نفد صبر محمد، لكنه لم يفقد هدوءه، وقال كلمته الأخيرة:
- تفضّل، اذهب… لعلّهم يجدون لك حلًّا.
غادر جاسم وهو يرمي الموظف بنظرة ازدراء، وتمتم:
- هذا إهمال!
وقف أمام مكتب المدير، ينتظر عند السكرتير، والغضب واضحٌ في تقاطيع وجهه، كأن النار انتقلت من صوته إلى ملامحه.
سأله السكرتير بهدوءٍ مهني:
- ما مشكلتك؟
قال جاسم بانفعال:
- يقول موظف الاستقبال إنه لا يوجد لدي ملف، وربما ضاع!
تأمّل السكرتير الأمر بثقة وقال:
- غير معقول أن يضيع ملف مريض.
ما رقم ملفك؟
قال جاسم:
- 265…
ثم توقّف فجأة وأضاف بترددٍ خجول:
- لا أدري… هل هو 8 أم 3؟
الخط غير واضح.
مدّ السكرتير يده بهدوء:
- أعطني الورقة.
نظر إليها لحظات، ثم ابتسم:
- هذه 8 وليست 3.
الملف موجود… وهذا اسمك: ص. س. ل، صحيح؟
توسّعت عينا جاسم دهشةً، وانطفأ شيء من غضبه:
- نعم… هذا اسمي!
قال السكرتير بنبرةٍ متوازنة:
- يبدو أنك أعطيت الرقم الخطأ لموظف الاستقبال.
هذا وارد.
ثم أضاف بابتسامةٍ عملية تحمل حلًّا بسيطًا:
- قبل أن تذهب، دعني أطبع لك بطاقة جديدة،
برقمٍ واضح… حتى لا يضيع منك مرة أخرى.
خرج جاسم وقد خفّ غضبه، وبقيت في داخله فكرة لم ينتبه لها تمامًا، لكنها بدأت تتحرّك بصمت:
كم مرة في حياتنا نُصرّ على التمسّك بملفاتٍ قديمة مثقلة بالألم،
ونغضب حين تضيع…
مع أن الحياة، في كل مرة، تعرض علينا البداية مجانًا؟













