آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

ما بين التفكك والحوكمة: عميد الأسرة كحل اجتماعي معاصر

زكي الجوهر *

في المجتمعات العريقة، لا تُقاس قوة الأسر بعدد أفرادها بقدر ما تُقاس بقدرتها على حفظ تماسكها، وصون ذاكرتها، وإدارة اختلافاتها بحكمة. ومن بين أبرز تجليات هذا التماسك، تبرز فكرة عميد الأسرة بوصفها إحدى السمات الاجتماعية الضاربة في الجذور، التي منحت البيوت الكبيرة مرجعية معنوية، وأسهمت في تحقيق الضبط الاجتماعي والاستمرارية عبر الأجيال.

نشأت عمادة الأسرة في سياق اجتماعي يوقّر الصلة والقرابة، ويمنح للكبير مكانته، لا تسلطًا بل حكمة، ولا قهرًا بل احتواء. فهي ليست استثناءً عن سنن الاجتماع البشري؛ فكما اتخذت الحِرف وأربابها شيوخًا يفصلون في شؤونها ويُحتكم إلى رأيهم، اتخذت الأسر بدورها كبارًا يُرجع إليهم عند الخلاف، ويُستضاء بحكمتهم في الملمات. وقد قيل في الحكم المأثورة إن الناضج لا يستغني عن كبير، فإن لم يجده صنعه، لأن الصغار وحدهم هم من يعيشون بلا مرجع.

وإذا كانت الأسرة وعاءً للقيم والثوابت، فإن وجود شخصية تتقدم هذا الكيان يصبح ضرورة لا ترفًا. عميد الأسرة، في جوهر دوره، هو الوتد الذي يشد أركان الخيمة، ويحميها من رياح التغيير العاتية. هو مرجع لا حاكم، وسقف أمان لا أداة فرض، يستمد سلطته من القبول الطوعي، ومن قدرته على التأثير لا الإكراه. علاقته بأسرته تقوم على عقد اجتماعي غير مكتوب، تحدده معايير واضحة للمسؤولية والمساءلة، وتؤطره الحكمة والحنان.

وتكمن أهمية العميد في كونه صمام أمان عند الخلاف، ووسيلة احتواء مبكرة للنزاعات قبل أن تتضخم وتتحول إلى خصومات دائمة أو قطيعة لا تُجبر. فهو يمارس دورًا أشبه بالتقاضي الاختياري الداخلي، حيث تُحل الإشكالات في مجالس الأسرة بدل أن تُرحّل إلى أروقة المحاكم، وحيث يُقدَّم الصلح على الخصومة، وتُصان العلاقات من الانكسار.

غير أن هذه الغاية السامية تتطلب مواصفات دقيقة فيمن يتولاها؛ من نضج عمري، وكفاية معرفية، وقدرة صحية وزمنية، إضافة إلى مهارات الحضور المجتمعي والتمثيل الرسمي. ومن هنا، فإن الحنكة تقتضي ألّا تُختزل العمادة في شخص واحد مهما علت مكانته، بل تُبنى بوصفها مؤسسة أسرية قبل أن تكون لقبًا فرديًا. فوجود نظام داخلي واضح يحدد الأهداف والصلاحيات، ويرسم آليات اتخاذ القرار والمتابعة والتقويم، بات ضرورة تفرضها لغة العصر ومتطلبات الحوكمة الرشيدة.

كما أن تنظيم مدة العمادة—سواء أكانت مدى الحياة أو محددة بزمن قابل للتجديد—يعكس وعيًا بأهمية تداول المسؤولية وضمان الاستمرارية ومنع الفراغ القيادي. ويقود ذلك إلى مفاهيم مكملة، مثل نواب العميد، وعمداء الفروع، ومجالس العمداء، ونظم الاجتماعات والتصويت، والعلاقة مع بقية مجالس الأسرة ولجانها. وهي أدوات تهدف إلى توزيع الأدوار، والتهيئة للتعاقب، والحد من المركزية المفرطة، خصوصًا في الأسر الكبيرة أو المتفرعة جغرافيًا.

في هذا الإطار، يظل عميد الأسرة حلقة وصل بين الأجيال، وذاكرة حية للتاريخ، وميزانًا للحكمة عند الاختلاف. منه يتعلم الأبناء والأحفاد كيف تُدار الخلافات دون أن تهدر الود، وكيف تُقدَّم المصلحة العامة على النزعات الفردية، وكيف يُحفظ الانتماء رغم تعدد الآراء وتباينها. وجوده لا يلغي الاختلاف، لكنه يمنع تحوله إلى عداء، ولا يصادر الفردية، بل يضبطها ضمن سياق جمعي يحفظ التوازن.

ومع ذلك، فإن التحولات الاجتماعية المتسارعة—من تفكك الأسرة الممتدة، وصعود النموذج النووي، وتعاظم المرجعيات الخارجية من مؤسسات ومستشارين ومنصات رقمية—أسهمت في تهميش فكرة العميد. وهو ما يستدعي اليوم إعادة إحياء هذا الدور، لكن بصيغة عصرية مرنة، لا تقوم على الأمر والنهي، بل على القبول والحياد، والقدرة على التفاوض والإقناع، واحترام استقلال الأفراد مع الجاهزية للحضور عند الأزمات.

فالأسرة التي تعيش بلا مرجع معتبر، كثيرًا ما تتآكل من الداخل، وتتقاذفها الأهواء، وتفقد ذاكرتها المشتركة وتأثيرها الإيجابي. أما الأسرة التي تُحسن اختيار عميدها، وتحدد مهامه، وتدعمه بالثقة لا بالخوف، فهي أقدر على الثبات في وجه التحولات، وأجدر بأن يكون لها صوت مسموع ورأي معتبر.

في المحصلة، لا يمثل عميد الأسرة حنينًا إلى الماضي بقدر ما هو استجابة واعية لتحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل. إنه مسؤول عن رعاية رأس مال اجتماعي ثمين، وشاهد على أن تقدم المجتمعات لا يُقاس بتقنياتها فحسب، بل بقدرتها على صيانة روابطها الإنسانية، وفي مقدمتها الأسرة. فالمجتمع الذي يفقد كبراءه، يفقد بوصلته، وتضيع منه أصوله، أما الذي يحافظ على مرجعيته الواعية، فيبقى أكثر تماسكًا، وأقرب إلى الاستقرار، وأبعد عن التلاشي في زحام الفردية والمادية.