إعادة تعريف الجودة في زمن الاستدامة
سأخرج اليوم قليلًا عن نمط مقالاتي المعتاد.
سأكتب ببساطة، كما أفعل في دوراتي التدريبية، حين أجلس أمام مجموعة من المتدربين محاوِلةً تقريب الفكرة، وإزالة الضباب الذي صنعته المصطلحات والممارسات الشكلية عبر السنوات.
أبدأ دائمًا بسؤال مباشر:
لماذا يشعر الموظف أن كلمة «جودة» تعني تفتيشًا، أو تقييمًا، أو ورقة تُطلب منه، أو تدقيقًا ينتهي بمساءلة؟
هذه الحساسية لم تولد من فراغ، بل من تاريخ طويل قدّمت فيه بعض المؤسسات الجودة بمنطق «الشرطة الإدارية»، لا بمنطق ”الشريك في التطوير“.
ولكي أقرّب الفكرة، أحب دائمًا تشبيه الجودة بالمطاعم.
ليس لأنها قطاع قريب لي، ولكن لأنها النموذج الأبسط لشرح العلاقة بين الخدمة والمنتج والتوقعات.
عندما يدخل شخص إلى مطعم، فهو يريد ثلاثة أمور واضحة:
طعامًا جيدًا، خدمة محترمة، وسعرًا يعكس القيمة.
هذه الثلاثية هي تعريف واقعي للجودة في الحياة اليومية، بعيدًا عن المصطلحات الفنية والنماذج المعقدة.
ولهذا أقول دائمًا:
الجودة ليست ورقًا.. الجودة معنى.
وليست استمارات.. بل نية وإتقان وفهم.
وفي مفهوم الإحسان في الشرع نجد أجمل تعريف للجودة:
أن تعمل كأن الله يراك، وأن تتقن ما بين يديك ولو لم يرك أحد. لكن المشكلة ليست في الفكرة، بل في التطبيق.
الجودة وسيلة تحسين.. لا أداة عقاب.
هي نظام يضمن أن يستمر العمل بوضوح، مهما تبدّلت الشخصيات أو تغيّرت الظروف.
وغالبًا ما أشرح أدوات الجودة بطريقة مبسّطة:
هي مثل أدوات المائدة. السكين، الملعقة، الشوكة.. لكل أداة دور. هل يمكن أن نأكل بلا شوكة؟ نعم. لكن وجود الأدوات يوحّد اللغة، وينظّم العملية، ويجعل التجربة أفضل.
المؤسسات التي أسيء فيها فهم الجودة انشغلت بالشكل على حساب الجوهر. تحولت الجودة إلى عمليات ورقية أو رقمية تكدّس الاستمارات دون أثر.
وللتقريب أكثر.. تخيّلوا لو تعطل مؤشر البنزين في السيارة ولم يظهر تنبيه. سيجد السائق نفسه متوقفًا في أسوأ مكان وبأسوأ توقيت.
هكذا تمامًا حين تُستخدم مؤشرات الأداء للتجميل بدل التحسين.
وفي المقابل، المؤسسات التي فهمت الجودة بالشكل الصحيح جعلتها طريقة تفكير وأسلوب إدارة، لا مجموعة وثائق.
ومع السعي نحو الإنجاز السريع، لجأت بعض الجهات إلى منهجيات مثل:
OKR - Objectives and Key» «Results, وهي منهجية فعّالة وذكية، بل تعد من أكثر الأدوات وضوحًا في تحديد الأهداف ونتائجها. لكن المشكلة تظهر عندما تُفسّر خطأ على أنها «حقق الهدف بأي طريقة».
وللتوضيح.. لو أردت السفر برًا، فهل يجوز أن أقود بسرعة 200 لأصل أسرع؟
قد أصل، نعم.. لكنني أخالف الأنظمة، وأعرض نفسي والآخرين للخطر، وأعتبر ذلك»إنجازًا». هذه ليست إنجازات.. بل اختصارات خطرة.
ولهذا جاء مفهوم الحوكمة، أو الإدارة الرشيدة. القيادة الحكيمة لا تطلب فقط الإنجاز، بل الإنجاز المُنضبط. ولذلك، فالجودة والحوكمة ليستا ترفًا تنظيميًا، بل حماية للمنجز، وصيانة للمؤسسات، وضمانًا لحقوق الجميع. القيادة التي تؤمن بذلك تبني أنظمة لا تعتمد على الأفراد فقط، بل على التشريعات والسياسات والعمليات الواضحة. وهذا ما نشهده اليوم في رحلة التحول الوطني بقيادة سمو ولي العهد «يحفظه الله» نقلة من إدارة يومية إلى بناء منظومات تعيش، وتكبر، وتستدام.
هذه ليست جودة إجرائية.. بل جودة وطن.













