آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

مفهوم الغرق عند الكُتاب وصلتها بالكتابة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

أن نكتب لا لأجل شيء معين، لا لأجل غاية أو سبب مهم، أن نكتب فقط لتمضية الوقت، للعبث به حتى لا يجمع شتات نفسه، ويحتل قلعة أفكارنا ولا يغادر.

أن نكتب ولا نقول ما نكتبه هو تورط في النسيان، وأن نقوله أيضا هو طريقة أخرى للتذاكي عليه. لكنه شكل آخر للتحريض كي يطلق قوس اللسان سهامه على الفارّين من سجن كلماتنا.

الذين يكتبون ولا يغرقون في أعماق أمواجها هم أشبه بالثياب والملابس التي نلبسها ونخلعها يومياً، هم نزلات البرد التي تختفي بالمسكنات والمضادات الحيوية، هم أشبه بالأفلام التي لا نرغب في مشاهدتها مرتين، هم الدخان المتصاعد من مداخن المطابخ والمصانع، هم إشارة مرور في شارع مهجور لا يعبره أحد ولو بالخطأ.

الوصول إلى الغرق بالنسبة لهؤلاء هو الجلوس في حيرة على حافة الطريق بعد أن تتعطل سياراتهم. هو البحث بين أواني المنزل ورفوف المطبخ عن كلمة منسية طالها غبار السنين.

وكأنهم بذلك العمل يدربون انتظارهم على القفز بمظلة حربية فوق مباني أيامهم الشاهقة.

الصلة بين الغرق والكتابة يرجعه البعض إلى الألم حتى أنه ينزله منزلة العامل الأكثر تأثيرا في تمتين هذه الصلة، إذا ما كان مفهوم الغرق هنا يشير إلى دلالة اليأس والتشاؤم والعدم الذي يضع الكاتب على حافة الموت دون الوصول إليه بالضرورة.

وقد يتجلى هذا الوضع في صور عديدة لكتّاب ومبدعين وفلاسفة كبار عانوا كثيراً، وحياتهم لم تكن سوى التجسيد العملي لهذا الجانب من هذا المفهوم.

حين تقرأ «كافكا» في «رسالة إلى الأب» ترى بوضوح كيف ينسج الألم خيوط الكتابة عنده بحيث تعمل على شد أجزاءه بعضه ببعض وتمسكه بدلالاته من العمق. وهو صريح فيما يقوله عن مصدر ألمه وهو الأب، طبعاً بخلاف الكثير الذين لا يبيحون بهذا المصدر، اللهم إلا أن تقوم بتتبع مسار تجربته متخفيا في هذه الجملة أو تلك، ولسنا هنا في وارد الكشف عن هذه المقارنة بالأمثلة.

يقول «كافكا»: «أنت خلف كتاباتي، لقد قلت فيها، ما لا أستطيع أن أقوله وأنا على صدرك» يقول أيضا «الكتابة عزلة تامة، وهي النزول إلى هاوية الذات الباردة». وإذا كان كافكا صريحا في مصدر ألمه في علاقته بالكتابة، فإن «نيتشه» لم يصرح بعلاقة مباشرة، بل جعل من مرضه محفزاً للحياة وتأملها من العمق وبكل ما يتعلق بها ضمن دائرة الجسد دون أن ينسى بالطبع الكتابة كواحدة من نتاج تلك المحفزات التي يصنعها المرض.

يقول «اكتب بدمك، وستعرف أن الدم روح». وهذا يعني عنده أن الكتابة الأصيلة تنبع من التجربة الحية، حتى لو كانت مؤلمة، وأن الألم يمنح الكلمات عمقا وحقيقة.

وبنفس المنوال يمكن التطرق إلى بودلير مؤسس الحداثة الشعرية الذي كانت علاقته بأمه كارولين محل مأساة ومعاناة.

أغلب الذين تناولوا سيرته جان بافان أبرزهم في كتابه «سيناريو بودلير» أو الذين قاربوها من خلال «أزهار الشر» أو «كآبة باريس» كانوا يرون الأثر الكبير لشخصية الأم في تشكيل شخصية الشاعر بودلير، حيث يرى «بافان» أن علاقة بودلير بوالدته كانت حجر الزاوية في تكوين شخصيته الشعرية المتمردة والمعذبة حيث حول البنوة المكسورة إلى وقود فني.

لذا، اختلاف درجة دلالة الألم وموقعه في التجربة بين الثلاثة لا يعطي الكتابة في تجاربهم سوى ثراء المعنى وتنوعه.

إلى الآن تناولنا الجانب الأول من مفهوم الغرق في صلته بالكتابة. لكن ثمة جانب آخر من هذا المفهوم لا يتصل بالألم الحسي أو «الفيزيقي» للجسد بقدر اتصاله بألم الكتابة ذاتها، وهذا له مقال آخر.