دراسة بلاغية سردية
بلاغة التكثيف والسرد الومضي في مجموعة «أمشي وبجواري تمشي سلمى» لحسن علي البطران
تُمثّل مجموعة «أمشي وبجواري تمشي سلمى» «2025» للكاتب حسن علي البطران محطةً دالّة في مسار القصة القصيرة جدًا في الأدب العربي المعاصر، إذ تضم «65» نصًا قصصيًا قصيرًا جدًا، موزّعة على ستة عشر «ممشى قصصي»، في بنية شكلية ودلالية لافتة تقوم على الاقتصاد اللغوي، وشدة التكثيف، والانفتاح التأويلي.
ولا تتعامل هذه النصوص مع القِصر بوصفه تقليصًا كمّيًا فحسب، بل تحوّله إلى خيار جمالي وبلاغي، يُعيد تشكيل العلاقة بين اللغة والمعنى، وبين السرد والتأويل. فكل نص، مهما بدا وجيزًا، ينهض بوظيفة سردية كاملة، مستندًا إلى الإيحاء، والمفارقة، والرمز، والصورة المكثفة.
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة بلاغية - سردية حديثة، تضع البلاغة في خدمة التحليل النصي، وتستند إلى مفاهيم معاصرة في دراسة القصة القصيرة جدًا، مركّزة على آليات اللغة، والتكثيف، والإيحاء، والانزياح، وبناء الدلالة في المساحة النصّية الضيقة.
أولًا: مفهوم القصة القصيرة جدًا
تُعرّف القصة القصيرة جدًا بأنها نص سردي بالغ القِصر، قد يتكوّن من جملة واحدة أو بضع جمل، لكنه يُحدث أثرًا دلاليًا مكثفًا، عبر توظيف عالٍ للاقتصاد اللغوي، والرمز، والمفارقة، والانفتاح على التأويل.
وهي، من حيث البنية، تقترب من الشعر في كثافتها، لكنها تظل محافظة على جوهرها السردي، القائم على حدث موحى به، أو تحوّل دلالي، أو صدمة ختامية، تُعيد ترتيب وعي القارئ بالنص.
ثانيًا: البلاغة السردية في النص الومضي
تتجلّى البلاغة السردية في القصة القصيرة جدًا من خلال عدد من الآليات، أبرزها:
الاختزال اللغوي: حذف الزوائد والاكتفاء بالضروري دلاليًا.
الرمزية والاستعارة: تحميل المفردة أو الصورة أبعادًا تتجاوز معناها المباشر.
المفارقة: خلق توتر بين المتوقع والمتحقق.
الصورة الذهنية المكثفة: صورة واحدة تحلّ محل مشهد كامل.
الإيحاء المفتوح: ترك النص دون إغلاق دلالي نهائي.
وتُعد هذه العناصر مجتمعة أساس البناء الجمالي في نصوص البطران الومضية.
يحمل عنوان المجموعة أمشي وبجواري تمشي سلمى كثافة دلالية تتجاوز كونه توصيفًا لحركة فيزيائية، ليغدو مدخلًا بلاغيًا وجوديًا.
المشي: رمز للحياة، والزمن، والرحلة الإنسانية.
بجواري تمشي: توكيد على التوازي، والمشاركة، والوعي بالآخر.
سلمى: اسم علم قابل للتأويل، قد يشير إلى الأنثى، أو الرفيقة، أو الذات الأخرى، أو حتى إلى معنى السلام/النجاة الكامن في الجذر اللغوي للاسم.
ومن ثم، يصبح العنوان بنيةً رمزية تُؤسس لمفهوم السير المشترك في الوجود، حيث لا تُقرأ النصوص بوصفها أحداثًا معزولة، بل لحظات من تجربة إنسانية متداخلة بين الذات والآخر والعالم.
يُعدّ التكثيف اللغوي السمة الأبرز في المجموعة، حيث تُحمّل الجملة الواحدة طاقات سردية عالية.
في نص «دمعة نوارس»:
«حزم حقائبه، تعارك مع أخيه، حلق في السماء…»
نواجه سردًا متتابعًا سريع الإيقاع، يُلخّص مسارًا وجوديًا كاملًا:
• الحزم: استعداد للفراق.
• التعارك: صراع داخلي/أسري.
• التحليق: تحرّر مشوب بالوحدة.
البلاغة هنا قائمة على:
• تتابع فعلي مكثف.
• الحركة بوصفها دلالة.
• صورة النورس بوصفه رمزًا للرحيل والحرية والوحشة معًا.
في نص «إنصاف»:
«حينما اقتربت الشمس من الرحيل، بزغ نور من ذلك البيت… فرأى القمر أمامه…»
تتحوّل اللحظة اليومية إلى مشهد رمزي:
• الشمس: نهاية، أفول، انقضاء.
• النور المفاجئ: أمل، كشف، عدالة.
• القمر: جمال مؤجل، حقيقة غير مكتملة.
تقوم البلاغة هنا على مفارقة ضوئية، تُنتج انفتاحًا تأويليًا يسمح بقراءات فلسفية وأخلاقية متعددة.
يوظّف البطران المفارقة بوصفها أداة نقدية ناعمة، كما في نص «ثروة»:
«أهداه الله ثروة، لم يشكره… سكن الرجل الفقير القصر…»
تنقلب الدلالات:
• الثروة - > عبء أخلاقي.
• القصر - > فضاء للاغتراب.
• الفقر - > غنى قيمي.
وتغدو المفارقة هنا وسيلة لإعادة مساءلة القيم الاجتماعية والإنسانية.
تتداخل السردية مع الشعرية في عدد من نصوص المجموعة، حيث يتحوّل الإيقاع اللغوي إلى عنصر جمالي فاعل:
«أسير بخطى ثابتة ومتزنة في طرق الإبداع…»
هذا الانزياح نحو الشعر لا يلغي السرد، بل يعمّقه، ويمنحه بعدًا تأمليًا، يجعل النص الومضي أقرب إلى قصيدة سردية مكثفة.
تؤكد مجموعة أمشي وبجواري تمشي سلمى أن القصة القصيرة جدًا ليست فنًا هامشيًا، بل شكلًا سرديًا عالي الحساسية، قادرًا على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة وجودية كبرى، عبر:
• التكثيف اللغوي.
• الرمزية.
• المفارقة.
• الإيقاع الشعري.
• الانفتاح التأويلي.
وتُبرز هذه الدراسة أن حسن علي البطران يمتلك وعيًا بلاغيًا وسرديًا جعله يُحسن استثمار القِصر لا بوصفه قيدًا، بل طاقة جمالية ودلالية.













