آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

بين العلم والوعي مسافة إنسان

سراج علي أبو السعود *

كثيرًا ما يُصنَّف الإنسان إلى واعٍ وغير واعٍ. ويظن كثيرون أن الوعي مرادف للعلم، بينما الحقيقة أن الوعي يبدأ من الإحساس بمساحة من القصور؛ لا بوصفها نقصًا مُعيقًا، بل دافعًا داخليًا للتكامل المستمر. فالوعي، في جوهره، ليس امتلاكًا للمعرفة، بل حركة دائمة للبحث عمّا يُقوّم الإنسان في مختلف جوانب حياته. وفي المقابل، يعيش غير الواعي أسيرًا لحالة سلبية تجعله منكفئًا على ذاته؛ تتشابه أيامه حتى تفقد الفروق معناها. فلا يكتسب علمًا ولا فنًّا ولا خُلُقًا، بل يستقر في جمودٍ تغذّيه سلبية فكرية تُعيد إنتاج مبررات السكون، وتمنحه أعذارًا جاهزة للابتعاد عن التعلم والتطوّر في ميدان العقل والأخلاق معًا. ومن هنا يبرز سؤال أوسع: إذا كان الوعي حركةً مستمرة نحو الصواب، فلماذا يتوقّف كثير من الناس عند المعرفة، ثم يسلكون عكس ما يعلمون؟ هذا السؤال يطلّ علينا في الدين، وفي النظام، وفي تفاصيل حياتنا اليومية.

لماذا كفر كثير من الناس بالأنبياء مع أنهم جاؤوا بالحجة والبيان؟ ولماذا لا يلتزم كثيرون بالنظام؟ ولماذا يخفف المسرع سرعته عند جهاز «ساهر» ثم يعود فيزيدها؟ أسئلة متعددة، لكن جوهرها واحد: لماذا لا يثبت الإنسان على الصواب حين يعرفه؟ صراحةً: لا أملك جوابًا حاسمًا. أعلم فقط أن الإنسان ليس غبيًّا، ولا هو مُكرَه على الخطأ. فكيف - وهو يدرك أن الأنبياء جاؤوا بالهدى - يعرض؟ وكيف - وهو يعلم أن الظلم قبيح - لا يعدل؟ إنها سلسلة من ”لماذا“ تفتح باب الحيرة الحقيقية. قد يقول بعضهم: الشهوة تغلب. لكن الشهوة لا تفسّر كل شيء. فكم من ظالمٍ يظلم من لا حول لهم ولا قوة، في وظيفة أو مدرسة أو أي موقع، دون أن يجني مالًا أو مكانة أو احترامًا! عند هذه اللحظة ندرك أن المشكلة ليست علمًا، بل وعيًا. قد يكون الإنسان عالمًا… لكنه غير واعٍ

ما أعيه - يا قارئي العزيز - أن غاية التربية ليست ضبط السلوك خوفًا من العقوبة، بل بناء إنسانٍ يرى الصواب جديرًا بالاختيار لذاته. فالمربي الحقّ لا يملأ العقول معلومات، بل يوقظ في الأبناء ضميرًا حيًّا، وشعورًا داخليًا بأن الخير خير، ولو لم يره أحد. وعندما ينشأ الإنسان على هذا الوعي، يصبح التزامه بالنظام - في الطريق، وفي العمل، وفي البيت - احترامًا للإنسان، ولمعنى العدل، قبل أن يكون خوفًا من مخالفة. عندها لا يتجاوز الطابور، ولا يراوغ القانون، ولا يظلم من يستطيع ظلمهم، لأنه يعلم أن ذلك يجرح إنسانيته أولًا. ثم يأتي الإيمان بالحساب ليمنح هذا الوعي بعده العميق: يذكّره بأن ما يختاره اليوم لن يضيع. «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها» لا لتخويفه، بل ليجعله أكثر وعيًا بمسؤولية الحرية التي بين يديه.