مفارقة أخلاقية
كلما مررتُ بهذه العبارة الخالدة للسيدة زينب
«ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك» [1] ، تسري في جسدي قشعريرة لا تُقاوَم لم تكن كلماتها دعوةً إلى حوار، بل كانت موقفًا صارخًا في وجه الظلم، وإدانةً للطغيان في لحظةٍ كانت فيها الكلمة أثقل من السيف.
تأملتُ طويلًا في اختيارها لعبارة «ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك»
بدلًا من «ولئن جرت عليّ الدواهي أن أخاطبك»
الفرق بينهما ليس لغويًا فحسب، بل يحمل دلالةً عميقة ف«مخاطبتك» بصيغة المصدر تُوحي بأن مجرد الحديث معك هو من المصائب التي وقعت عليّ، وكأنها تقول ما كنتُ لأكلمك لولا أن الدواهي أجبرتني على ذلك أما «أن أخاطبك»، فتعني أنني اخترت الحديث، وهذا لا يليق بمقامها ولا بسياق اللحظة فهي لم تختر أن تُخاطب الطغيان، بل اضطُرّت لذلك لتُعلن موقفًا، لا لتفتح نقاشًا اختيارها لكلمة «مخاطبتك» يُظهر أن الكلام نفسه كان عبئًا، لكنه عبءٌ تحوّل إلى صرخة حق، لا إلى حوار مع الباطل ثم تأملتُ في كلمة «الدواهي»، وهي جمع «داهية»، أي المصيبة العظيمة لماذا اعتبرت السيدة زينب
أن مخاطبة رأس الفجور من هذه الدواهي؟
أهو لعدم شرعيته؟
أم لأنه قاتل الأحبة؟
أم لأنها تُجبر على مخاطبة من لا يعرف قدرها العلمي والروحي؟
أم لأنها تُخاطبه وهي في مجلسٍ أُعدّ لإذلالها؟
أم لأنها تُخاطب من لا يُرجى منه فهمٌ أو عدل؟
لعلّ كل هذه الأسباب مجتمعة هي ما جعلت من تلك اللحظة داهيةً في ذاتها، لكنها لم تُسكت صوتها، بل جعلت من الكلمة سلاحًا، ومن المواجهة بيانًا خالدًا، ولعلّ الشاعر الكربلائي ابن كمّونة [2] لم يفته أن يُسجّل هذه اللفتة، فقال:
وأعظمُ ما يُشجي الغيورَ دخولُها
على مجلسٍ ما بارحَ اللهوَ والخمرا
يُعارضها فيه الدعيُّ مسبةً
ويصرفُ عنها وجهَه معرضًا كبرا
وفي الطرف المقابل، بل على النقيض تمامًا، يسطع مشهدٌ آخر من التاريخ، حين وقفت سفانة بنت حاتم الطائي رضوان الله عليها بين يدي النبي الأعظم ﷺ بعد أن وقعت في الأسر فما إن أُذن لها بالكلام، حتى ألقت خطابًا بليغًا يفيض بالكرامة والاعتزاز، قالت فيه [3] «يا محمد، مات الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تُخلي سبيلي، ولا تُشمِت بي الأعداء، فإني ابنة سيد قومي كان أبي يحب مكارم الأخلاق، يطعم الجائع، ويفك العاني، ويكسو العاري، وما أتاه طالب حاجة إلا ردّه بها ”فأُعجب النبي ﷺ ببلاغتها، وقال“ يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقًّا، ولو كان أبوك مسلمًا لترحّمنا عليه ”ثم أمر بإطلاق سراحها، وقال“ أطلقوها كرامةً لأبيها ”فقالت“ أنا ومن معي؟ ”فأجاب النبي“ أطلقوا من معها كرامةً لها ”ثم قال ﷺ «ارحموا ثلاثًا، وحقّ لهم أن يُرحموا عزيزًا ذلّ بعد عز، وغنيًا افتقر بعد غنى، وعالمًا ضاع بين الجهّال «فقالت سفانة: يا رسول الله، أتأذن لي أن أدعو لك؟“ قال ”نعم“ فقالت ”أصاب الله ببرك مواقعَه، ولا جعل لك إلى لئيمٍ حاجة، ولا سلب نعمة قومٍ إلا جعلك سببًا لردّها“ فقال النبي ﷺ ”آمين“ ثم أمر لها بإبلٍ وغنمٍ ملأت ما بين الجبلين، فتعجّبت وقالت ”يا رسول الله، هذا عطاء من لا يخاف الفقر“ ولعلّ من أضواء هذا الموقف النبوي البليغ، قوله ﷺ: «عزيزًا ذلّ بعد عز» ومن دعاء سفانة الذي يفيض بالكرامة والوعي، قولها: «ولا جعل لك إلى لئيمٍ حاجة»، وهي عبارةٌ تختصر مأساة من يُجبر على مخاطبة من لا يعرف قدره، وتستشرف، من حيث لا تدري، حال السيدة زينب
، حين اضطُرّت إلى مخاطبة من لا يزن الناس بميزان الحق، لا رغبةً ولا اختيارًا، بل لأن الدواهي جرّتها إلى ذلك فكأن دعاء سفانة، دون أن تدري، كان نبوءةً أخلاقية، تُحذّر من لحظة تُجبر فيها الحرائر على مخاطبة من لا يعرف قدرهن، وتُعلّمنا أن الكرامة لا تُقاس بالمقام، بل بالموقف.













