الاتحاد قبل غروب الشمس
يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق، إذ جذبت أهميته الاستراتيجية انتباه القوى العالمية لأكثر من قرن. وكثيرًا ما أوقع هذا التركيز المنطقة في شبكة معقدة من المؤامرات والتحالفات الدولية، مما خنق تقدمها وتطورها، بل إن كثيرًا من هذه الدول تراجعت عشرات العقود. وتوضح الخلفية التاريخية للحربين العالميتين هذا الصراع، حيث لم تنظر القوى الغربية المهيمنة إلى العالم الشرقي كمجرد ساحة معركة، بل كمسرح للمصالح المتضاربة أيضًا. وتؤكد هذه الديناميكية على التوازن الدقيق بين التطلعات المحلية والتدخلات الخارجية.
وقد سُلِّط الضوء بشكل صارخ على تحديات تحقيق الاستقرار خلال محاضرة ألقاها عام 2007 الجنرال ويسلي كلارك، القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الذي كشف عن خطط لغزو سبع دول في الشرق الأوسط. وأشارت كشوف كلارك إلى أن الدوافع وراء هذه الاستراتيجيات غالبًا ما تنبع من مصالح خاصة، لا من مخاوف حقيقية على الاستقرار الإقليمي. وهذا يثير تساؤلات أخلاقية جوهرية بشأن تدخلات بعض القوى العظمى في الحكومات الأجنبية. وأعتقد في تقييمي الشخصي أن الاحتلال الإسرائيلي استخدم بوابتين رئيسيتين للدخول إلى الشرق الأوسط لزرع الفتن وزعزعة الاستقرار في جميع الدول المحيطة.
لقد عانى العالم الشرقي فترات طويلة من الاضطرابات، تفاقمت بسبب مصالح بعض القوى العظمى. يكافح العديد من المواطنين لتلبية احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، مع ظهور الجوع كقضية أمن قومي في خضم الصراعات العالمية. عندما يواجه الأفراد ندرة في الغذاء، فإن العواقب تتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة، مهددة الاستقرار والسلام داخل الدول.
وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على الاحتلال الإسرائيلي، الذي يعد أكبر وأشرس احتلال عرفته الإنسانية في العصر الحديث، حيث قوبل هذا الوحش بصمود أسطوري وتضحيات بدماء الشهداء، فهناك مؤشرات عديدة على قرب انتهاء هذا الكابوس، من ضمنها ظهور أعجوبة القرن الحديث ”التنين الصيني“، والمستويات المنفلتة للمديونية الأمريكية والانهيار المحتمل للدولار. فأصبح عبث الولاية الواحدة والخمسين لخرق القوانين البشرية والطبيعية، ودخول العالم في نفق مظلم، عبئًا ثقيلًا حتى بين أقرب حلفائها.
ويُعتقد أن هناك اختلافًا في المفهوم بين الوحدة والاتحاد، يرى المحللون أن الوحدة ليست بالضرورة في كل المسائل أمرًا إيجابيًا، باعتبار أن لكل دولة خصوصية حضارية مختلفة ومميزة، ما قد يجعل الاندماج الكامل فكرة غير عملية. ولكن الاتحاد بين البلدان الشرقية يُعد ضمانة لأساس قوي وصلب. إذًا، الاتحاد هو بالفعل استراتيجية أساسية وهدف صلب لتحقيق القوة والحصانة بإذن الله تعالى.
دعونا نتمعن قليلًا، بإحدى أصغر مخلوقات الله تعالى، نجد هذا المخلوق ذُكر اسمه في القرآن الكريم. سبحان الله العلي القدير على الدقة العظيمة. النحل لا يعتمد على ملكة واحدة فقط لحماية مملكته، بل يعتمد على جيش من النحل العامل الذي يحمي الخلية بأكملها، بما في ذلك الملكة من التهديدات الخارجية. في حالة وجود تهديد كبير، تشن النحلات العاملات هجومًا كاسحًا للدفاع عن الخلية بأكملها، وليس عن الملكة وحدها.
أصبحت استراتيجية الاتحاد هدفًا ضروريًا قبل غروب الشمس، وحتى مع اختفاء الكيان المحتل. فهو عنصر مكمل وفعال جدًا في ظل التطورات الإيجابية الأخيرة التي لعبتها الدبلوماسية، لتقارب الصفوف في العالم الشرقي. فالاتحاد يحقق منظومة تكاملية أمنيًا، واقتصاديًا، وعلميًا، وثقافيًا، واجتماعيًا… إلخ من العوامل. نعم، يدًا بيد لتحقيق النظرية العملاقة ”سبعة + ثلاثة“ للاتحاد قبل غروب الشمس.
فالأبواب الخمسة التالية من هذا الكتاب تقدم لمحة سريعة لتكوين نظرية الاتحاد سبعة + ثلاثة:
• أمن الموارد الطبيعية والاقتصادية
• التهديد المتزايد
• الإدارة المشتركة
• الصراعات العالمية تتجه شرقًا
• الاتحاد قبل غروب الشمس
وأخيرًا، يُختَم الكتاب بكلمة أخيرة، ورؤية ذهبية. ونأمل من الله العلي القدير التوفيق لطرح هذه المادة المتواضعة. واللهم صلِّ على محمد وآل محمد.














