نُسَّاخ الذكاء الاصطناعي.. إبداع وانخداع
ارتبطت الكتابة في مجالاتها الإبداعية بالتروي والتمحيص، مستهلكة أوقات طويلة من الاعتكاف من أجل إخراج مادة تصعد بالقراء على مدارج الوعي. شأنها في ذلك شأن أي مشروع فهو تحتاج إلى استعداد نفسي يتجاوز كل العقبات، ولنا أن نفهم معنى الصعوبة والتعسر عندما يكون خلع ضرس أهون على الفرزدق من بيت شعر!! ولا يمكن لكاتب أو شاعر أن ينطلق إلا بعد أن يمتلك ”الطبع“ الذي يشبهه ابن الأثير في كتابه المثل السائر بالنار الكامنة في الزناد، فهذه الملكة الأدبية هي الشرارة الأولى في أي عمل أدبي، أو ما نسميها اليوم ”الموهبة“.
تختلف الكتابة بآلياتها وظروف انتشارها من عصر التدوين والوراقين إلى عصر الطباعة الحديثة وصولا حتى لحظتنا المعاصرة حيث ثورة الذكاء الاصطناعي التي تعتبر فتحا عظيما من فتوحات الإنترنت، باعتمادها على التغذية الرقمية الشاملة مما أنتجت سيولا لا متناهية من الأفكار التي تخدم مجالات الحياة المتعددة بمحاكاتها للقدرات البشرية، ومن بينها مجال الكتابة فباستطاعة هذه التطبيقات الإلكترونية أن تلبي مباشرة مستخدميها في توليد نصوص بلمسة زر ناعمة لتكون أمام عيونهم مقالة أو قصيدة، وربما بحث أو كتاب!!
عندما ينسخ شخص نصا وينسبه لنفسه وبنشره في مواقع التواصل الاجتماعي أو الصحف الإلكترونية دون الإشارة للمصدر فهذا نوع من السرقات الأدبية الجديدة، وهنا تكمن العقدة في هذه المسألة الشائكة، سنجد حينها ذوات خلف شاشاتهم تخدع العالم ببساطة بمجرد أمر، وفي ثوان سريعة جدا سيظهر لنا شعراء وكتاب ونقاد يغرفون من هذا البحر الكبير، متناسين أن الكتابة مسؤولية كبرى وأن أصحابها الحقيقين لم يولدوا بين ليلة وضحاها، بل بذلوا المزيد من الجهد متدرجين من مرحلة إلى أخرى حتى وصلوا إلينا بهيئاتهم التي عرفناهم بها، فهذا الكاتب ”أرنست همنغواي“ يذكر في كتابه مباهج الكتابة وأوجاعها الذي يعد ملخصا لتجربته أن الكتابة بالغة الصعوبة لكنه لايستطيع الاستغناء عنها؛ لأنها تولد له السعادة، وأنه يكتب صفحة جيدة قبالة 90 صفحة سيئة - على حد تعبيره - ومع هذا الشعور المزعج الذي ينتابه لكنه يجلس صباحا ليكتب.
التعامل الأمثل مع هذه المنصات الذكية أن يستفيد روادها بجعلها ورشة عمل عبر محاورتها واستيراد أفكار منها، والأهم هو التحقق من المعلومات المعطاة، وبإمكان الكاتب أن يطلب منها كلمات تنتمي إلى حقل معين تعينه على استيفاء موضوعه أو أن يطلب منها تدقيقا نحويا أو إملائيا، بحيث لا يستسهل الأمر بالنسخ مباشرة. وإلا سنصحو على كلمات مثل زبد البحر، وفقاعات كلامية والأسوأ من ذلك أننا سنجد عقولا لا تفكر بل يُفكَّرُ عنها.













