زمن الأقنعة
نمشي في الحياة بين وجوه كثيرة، لكن أغلبها كالكثبان، تتشابه من بعيد، وتخدعك بانسيابها، حتى إذا اقتربت منها لم تجد إلا رمالًا تتناثر في الريح. نتعب ونحن نفتش عن ملامح صادقة، عن عينٍ لا تخون، عن قلبٍ لا يساوم. والصدق أن البحث عن هؤلاء الناس يستهلك من الروح أكثر مما يستهلك من الجسد. السؤال.. هل نستسلم ونتوقف عن البحث، أو أننا نستمر في طريقنا بثقة الواثق المتيقن..؟
كثيرون يغطون أنفسهم بطبقة عسلية، كلماتهم لينة، ابتساماتهم مطمئنة، لكن خلف تلك القشرة قد يختبئ ما لا تريد رؤيته. وما أشد الخيبة حين تكتشف أن العسل الذي تذوقته لم يكن إلا غطاءً لعلقمٍ دفين. عندها تدرك أن الحذر لم يعد خيارًا بل ضرورة.
ومع ذلك، هناك إشارات صغيرة تكشف النفوس الصافية.. صدق اللحظة، بساطة الفعل، نقاء النظرة. هؤلاء لا يحتاجون إلى تدليس وتمويه، ولا يجهدون أنفسهم في التجميل. تراهم في الأوقات التي تسقط فيها الأقنعة.. في ساعة الخلاف، عند ضيق الحال، أو حين لا يكون هناك ما يُكسبهم من ورائك شيئًا.
يظهرون في الشدائد أكثر مما يظهرون في الأفراح. يضيئون كالنجوم في سماءٍ ملبدة، وحين تتخلى عنك الكثرة، يخرجون من صمتهم ليقفوا بجوارك بلا تردد. إنهم يأتون في الوقت الذي تظن فيه أن الأرض خلت من النقاء، فيعيدون إليك الثقة بأن الخير لا يزال يسكن بين الناس.
البحث عنهم ليس له خارطة على الورق، بل خارطة في داخلك أيها الفاضل. كلما صفّيت نيتك، واتسع صدرك، وصدقت مع نفسك، اقتربت من أن تراهم. النفس الطيبة كالمغناطيس، تجذب الأرواح التي على شاكلتها. ومن عاش بنقاء داخلي، واصل السير حتى يجد تلك الينابيع المختبئة تحت الرمال.
هم نادرون، بلى. لكن الندرة تزيد من القيمة. فاللؤلؤ لا يطفو على السطح، بل يُستخرج من أعماق البحر بعد عناء. والنبع لا يتفجر إلا حين تصبر على الحفر. لذلك، لقاء إنسان واحد من هؤلاء قد يغيّر موازين الرحلة كلها، ويخفف وطأة الطريق بما يزرعه فيك من أمان وطمأنينة.
خلاصة القول أن الحياة حقول واسعة، بعضها مليء بالألغام وبعضها يخفي الينابيع. وما بينهما نسير بحذر، نُخطئ ونصيب، حتى يمنّ الله علينا بلقاء من تنفجر قلوبهم حبًا لا أذى، وصدقًا لا خداعًا. وحين نجدهم ندرك أن التعب لم يكن هدرًا، بل كان ثمنًا مستحقًا لرؤية وجه صادق في زمن الأقنعة.













