آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

وبرحيله فقدت القصة السعودية واحدا من روادها

علي جعفر الشريمي * ‏صحيفة الوطن

في إحدى الرحلات خارج الوطن، إلى دولة خليجية قريبة، قبل ما يزيد على 15 عامًا، كنا مجموعةً نبحث عن متعة السفر المعتادة: المطاعم، الأسواق، وأماكن الترفيه. وحين اختلفنا على الوجهة، ابتسم الأستاذ حسين علي حسين «أبو عبدالعزيز» وقال بهدوئه الذي لا يُنسى: «أنا المطعم عندي المكتبة».

لم تكن عبارة مجاملة ولا دعابة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن رجلٍ صاغت القراءة يومه، وشكّلت وعيه، وجعلت من الورق عالمه الأول.

رحل حسين علي حسين، ورحل معه نموذج نادر من المثقفين الذين لا يرفعون أصواتهم، ولا يزاحمون على الضوء، لكنهم يتركون أثرهم عميقًا وباقيًا. كان واحدًا من روّاد القصة القصيرة في المملكة، ومن الجيل الذي اشتغل على هذا الفن بوعي مبكر، واختار الهدوء طريقًا، والتكثيف أسلوبًا، والإنسان جوهرًا لكل ما كتب. لم يكن معنيًا بالظهور، بقدر عنايته بأن تكون الكتابة صادقة.

بدأت رحلته المهنية منذ عام 1976 داخل المؤسسة الصحفية. هناك، في غرف التحرير، تشكّل وعيه بالدقة، والاختصار، والانتباه للتفاصيل. لم تكن الصحافة مجرد مرحلة في حياته، بل مدرسته الأولى، ومنها تسلّل حسّه القصصي؛ فجاء سرده واضحًا، مكثفًا، ومشدودًا إلى الواقع والناس. كان قاصًا يعرف كيف يرى، وكيف يلتقط اللحظة، وهي مهارة لا تُكتسب إلا بمعايشة طويلة للخبر والمكان.

هو ابن المدينة المنورة، التي ظلّت حاضرة في روحه ونصوصه حتى وهو يعيش في الرياض. لم يغادره المكان الأول، بل تحوّل إلى ذاكرة سردية، فضاء إنساني يطلّ من خلاله على العلاقات الاجتماعية والتحولات الأخلاقية. في كتابته، لم تكن الحارات والأحواش مجرد خلفية، بل كانت كائنًا حيًا يحتضن الوجوه، ويختزن الحكايات، ويمنح النص عمقه الإنساني.

عرفته أستاذًا قبل أن يكون صديقًا، وفي مقام الأبوة قبل أن يكون زميلًا. صديقًا لوالدي رحمه الله، وقريبًا مني قرب الجيل الكبير الذي يُعلّم بالفعل لا بالوصايا. كان يتابع ما أكتب بدقة تدهشني؛ أكتب مقالًا، وبعد أسبوعين أو ثلاثة، يجلس معي ويقول: «أنت كتبت كذا، وتوقفت عند هذه الفكرة، وربطت بين كذا وكذا». أحيانًا أنسى أنا ما كتبت، وهو لا ينسى. ذاكرة حاضرة، صنعتها قراءة يومية لا تعرف الانقطاع.

يومه يبدأ مبكرًا مع الصحف. في الساعات الأولى من الصباح يفتحها صحيفة صحيفة، يقرؤها كاملة، ثم ينتقل إلى الكتب. لم تكن القراءة عنده هواية، بل نظام حياة. لذلك ظلّ حاضرًا، مطّلعًا، قادرًا على الفهم والتحليل بهدوء ودون ادعاء.

إبداعيًا، قدّم حسين علي حسين مشروعًا قصصيًا متماسكًا امتدّ عبر عقود، بدأ ب«الرحيل» «1978»، ثم «ترنيمة الرجل المطارد» «1983»، و«طابور المياه الحديدية» «1985»، و«كبير المقام» «1987»، و«رائحة المدينة» «1993»، قبل أن يواصل تجربته عبر «المقهى» «2013»، و«مزيكا» «2014»، وصولًا إلى «العقد» «2019».

أما روايته «وجوه الحوش»، فقد شكّلت ذروة خاصة في تجربته، لما حملته من توثيق إنساني دقيق لذاكرة الحارة المدينية، وحظيت بتقدير لافت حين فازت ضمن مشروع تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي، في اعتراف واضح بقيمتها السردية وقدرتها على العبور من النص إلى الصورة.

غيابه مؤلم، لأن حضوره كان ضرورة ثقافية وإنسانية. نودّعه اليوم لا برثاءٍ عاطفي، بل بامتنان عميق. نودّع صحفيًا علّمنا الدقة، وقاصًا أسّس للوعي، وإنسانًا ظلّ وفيًا للكلمة حتى آخر ما كتب.

وبرحيله، فقدت القصة القصيرة في المملكة واحدًا من روّادها، ممن كتبوا بصمت، وتركوا أثرهم عميقًا في الذاكرة والوجدان.

رحمه الله رحمة واسعة، وجعل أثره الأدبي شاهدًا له في ميزان الوفاء والإبداع.