آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

أبي الذي ربَّاني

الشيخ سمير آل ربح

في ضُحى يوم الأربعاء العاشر من شهر رجب الأصب 1447هـ، وأنا أحزم حقائبي للسفر إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة، يرن الهاتف وإذا به أخي يهمس في أذني بصوت متحشرج: والدي تُوفِّي. استرجعتُ مرارًا، وأغلقتُ الهاتفَ بلا وداع.

إنه الحاج حسن إبراهيم آل ربح. اقترنتْ به والدتي بعد وفاة والدي، فترعرعتُ في هذا البيت طيلة عمري؛ إذ نشأتُ يتيمًا. فتحتُ عينَيَّ على هذه الدنيا بلا أبٍ، ولستُ في صدد الحديث عن الانكسار الذي يعتري اليتيم، بل في سياق الحديث عن الجَبْر الذي جاء لالتئام هذا الانكسار. إنه حضن أمي التي احتوتني بما لديها من دفء مشاعر ومن احتواء تام ومن عناية فائقة. هذه الأم التي عاشت في بيت زوجها نحو ستة عقود، أنجبت منه أبناء لم يكونوا مجرد إخوة لي، بل أشقاء. وأصبح الزوجُ (ولازال حتى بعد رحيله) أبًا لي كما هو أبٌ لإخوتي. لم أكن أشعر ولا هم يشعرون بأننا إخوة من طرف واحد، بل حالنا حال الأشقاء في أي بيت.

كان يعاملني واحدًا من أبنائه، وربما يفوق في بعض الأحيان. لم أتلقَ منه ولا ضربة واحدة في وقت كانت (العصا) هي وسيلة التأديب الرئيسة، مستحضرًا معنى قول الله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَر) [سورة الضحى:9]. فهو الكافل لليتيم. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة إذا اتقى اللهَ عزَّ وجلَّ" وأشار بالسبابة والوسطى. وعنه (صلى الله عليه وآله): "مَنْ مَسَحَ على رأسِ يتيمٍ كان له بكلِّ شعرةٍ تمرُّ على يده نورٌ يومَ القيامة". [مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، تفسير سورة الضحى]، وعنه (صلى الله عليه وآله): "أشبعِ اليتيمَ والأرملةَ، وكنْ لليتيمِ كالأبِ الرَّحيم، وكنْ للأرملة كالزوج العطوف، تُعْطَ كل نفس تنفسَّت في الدنيا قصرًا في الجنة، كلُّ قصرٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها" [مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، علي بن الحسن الطبرسي، ص 292]. وهو كان لي (أنا اليتيم) كالأب؛ شبعتُ في هذا البيت وارتويتُ ولبستُ وتجمَّلتُ، وإني أسأل اللهَ تعالى أن يرزقه هذا الثواب العظيم الموعود على لسان النبي الأكرم.

ومن باب "مَنْ وَرَّخ مؤمنًا فقد أحياهُ" [مستدرك سفينة البحار، علي النمازي الشاهرودي، 10/ 278]، أقف وقفة وفاء وتبجيل لهذا الرَّجُل لأذكر بقدر ضئيل ما رأيته منه، وما عايشته معه.

مشهور في بلدته (العوامية) بـ(حسن إبراهيم). يُعرَف (ويُعرَّف) به. له حضور اجتماعي واسع النطاق؛ لأن الناس حينها متقاربون وكأنهم عائلة واحدة، أضف إلى ذلك مهنته التي امتهنها آنذاك؛ فهو سائق البلدة الوادعة، في ستينات وسبعينات القرن الميلادي الماضي. آنذاك كانت السيارات الشخصية نادرة جدًا، وكانت وسيلة التنقل إما الدواب أو سيارات الأجرة التي كانت -بدورها- محدودة. في هذا الظرف امتهن (أبو علي) مهنة القيادة لتكون مصدرَ رزقٍ له، وليلبِّي حاجة البلدة لهذه الخدمة الهامة. تحوَّلت السيارةُ التي تقل الناس من مكان لآخر إلى مجلس متنقل تدور فيه الأحاديث والأخبار المختلفة بدءًا مما يحدث داخل البلدة وما جاورها ووصولًا لأحداث العالم الساخنة، إذ كان المذياعُ الوسيلة الإعلامية الأساس في ذلك الوقت، فلا تلفزيون (إلا على نطاق ضيق)، ولا قنوات فضائية، ولا بث مباشر، ولا أخبار عاجلة، والأمية المنتشرة حدَّت من تناول الصُّحف إلا عند النُّخب، وما أقلهم ذلك الحين!

يبدأ (أبو علي) عمله مع زقزقة العصافير في رحلات ترددية نهارًا بين العوامية والقطيف. وفي الليل يكون تحت خدمة المحتاجين للنقل، فقد يطرق طارقٌ بيته عند منتصف الليل أو قبيل الفجر، طالبًا نقله إلى مستشفى، فيترك لذيذ نومه ويفزُّ من مضجعه ملبيًا نداء من يناديه، لا لكسب المال فحسب، بل قبل ذلك وبعده قضاءً لحاجة محتاج، ومساهمةً في تسهيل أمور الناس؛ فتتحول سيارته إلى إسعافٍ يأخذ المرضى على وجه السرعة إلى مستشفى أرامكو أو إلى غيره من مستشفيات المنطقة القليلة في ذلك الوقت. وكم من امرأة وضعت وليدها في السيارة وهي في طريقها إلى المستشفى! يحفظ له أهل بلدته عشرات المواقف في هذا الاتجاه.

تعلَّمتُ منه الولاية لمحمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) وحبهم والارتباط بهم منذ نعومة أظفاري، فما إن يحلُّ شهر محرم الحرام إلَّا ويحرص على الحضور في المجالس التي تُحيي ذكر معركة الطف وما حدث فيها من أحداث جسام لأبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وصحبه الكرام. ولازال في ذاكرتي أول مجلس أخذني إليه في مسجد الرسول الأعظم ﷺ المجاور لنا، وأنا لـمَّا أبلغ العاشرة من عمري، وهالني ما رأيته من اكتظاظ الناس على بعضهم بعضًا حتى تكوَّرتُ على نفسي من شدة الزحام، وهم يضجُّون بالبكاء، والخطيب يكاد يقتصر على سرد أحداث كربلاء دون أن يحيدَ عنها. أثارت هذه المجالس في ذهن الفتى أسئلة ما استطاع أن يجيب عنها إلا بعد أن اخضرَّ عودُه واستوى فكرُه. شكَّلت هذه المجالس -بعد تراكمها- مصدرًا من مصادر المعرفة في طريق الولاية والعلم الديني الذي سلكتُه مذ كنتُ يافعًا. ولاحقًا كان (أبو علي) داعمًا لي حينما سافرتُ لطلب العلم، فلم أكن وحيدًا وإن كنتُ في دارِ غربةٍ، بل كانت معي عائلتي وهو على رأسهم، إذ كان محبًا للعلم والعلماء.

تعلَّمتُ منه صلة الأرحام، حين كان يأخذني معه وأنا صبي لزيارة أرحامه بدءًا من والده الحاج إبراهيم ومرورًا بإخوانه وأخواته كلهم صغيرهم وكبيرهم، مع أنه كان كبيرهم (بعد أخيه الحاج محمد إبراهيم). لم يكن يرى أنه هو الذي يُزار، بل هو الذي يبادر بالزيارة، في الأعياد وغيرها. ولا شك أن أبناء وبنات إخوانه وأخواته يحفظون له ذلك.

وفي آخر سنِّي عمره، وضع له أبناؤه شاشة خاصة في غرفته، بقي يستمع للمجالس الحسينية والمحاضرات الإسلامية.. من قناة إلى أخرى، باكيًا بصوت عالٍ على مصائب الحسين وأهل البيت (عليهم السلام)، حتى يتساءل الداخل عليه والخارج منه: مِمَّ بكاؤه؟ ولـِمَ هو يبكي؟ عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: "أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي دمعة حتى تسيلَ على خده بوَّأه اللهُ بها في الجنة غرفًا يسكنها أحقابًا، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيلَ على خده فينا لأذى مسَّنا من عدوِّنا في الدنيا بوَّأه اللهُ بها في الجنة مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسَّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيلَ على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله، عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار".[ كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه، ص 201].

اللهم جافِ عن جنبيه، وأصعد إليك روحه، ولقِّه منك رحمةً ورضوانًا.

اللهم صِل وحدته، وآنس وحشته، وآمن روعته، وأسكنه من رحمتك رحمةً تغنيه بها عن رحمة من سواك، يا أرحم الرَّاحمين.

والحمد لله رب العالمين.