آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

هل يكفي العقل لمعرفة الله؟

محمد يوسف آل مال الله *

بين نور الفكر وهداية الوحي:

”العقل طريق البداية، والفطرة روح الرحلة، والوحي هو الوصول.“

يظنّ بعض الناس أنّ العقل وحده قادر على معرفة الله والإيمان به، لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فالعقل بالفعل هو الباب الأول إلى الإيمان، إذ يدفع الإنسان إلى التأمل في الكون والنظام والدقة والغاية التي تحكم كل شيء، ومن خلاله يدرك أنّ وراء هذا الوجود خالقًا حكيمًا، وأنّ الصدفة لا تصنع هذا الجمال ولا هذا الاتساق.

لكنّ العقل، مهما بلغ، يبقى محدودًا بحدود التجربة والمعرفة البشرية. فهو يستطيع أن يقول: ”هناك خالق“، لكنّه لا يستطيع أن يعرّفك مَنْ هو هذا الخالق، وما صفاته، ولماذا خلقنا، وإلى أين نمضي بعد الحياة. وهنا يأتي دور الوحي ليكمل ما عجز عنه العقل، فيرسم الطريق، ويمنح المعنى، ويكشف الغاية. يقول سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: الآية 213].

أمّا الفطرة فهي الصوت الداخلي الذي لا يخمد، الإحساس الفطري بوجود قوةٍ أعظم تستحق الحب والخضوع. إنّها الميل الطبيعي نحو الإيمان، حتى قبل أن يتدخل العقل أو التعليم. روي عن التبي الأكرم ﷺ أنّه قال: ”كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه“.

هكذا تتكامل الأدوار: العقل يفتح الباب، والفطرة تحرّك القلب، والوحي يهدي الطريق. فمن جمع بينها، عرف الله لا تقليدًا ولا خوفًا، بل عن وعيٍ وحبٍّ وبصيرةٍ تُنير له درب الحياة. فمعرفة الله ليست رحلة عقلية فحسب، بل رحلة إنسانية متكاملة. روي عن أمير المومنين أنّه قال: ”ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك ولكن رأيتك أهلًا للعبادة فعبدتك“.

ابدأ بالتفكّر، وأصغِ إلى صوت فطرتك، ثم سر في طريق الوحي بوعيٍ وتوازن. فكل خطوة في هذا الطريق تنقلك من المعرفة إلى المعايشة، ومن الفكرة إلى النور. فالإيمان الحقيقي ليس أن تعرف أنّ لله وجودًا، بل أن تشعر بوجوده فيك ومعك وفي كل لحظة من حياتك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكل عام وأنتم بخير.