آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 2:22 ص

البساطة.... في الحديث عن البساطة

حسين مكي المحروس

منذ مقاعد الابتدائي وحتى قاعات الجامعة، لم يكن التعليم يومًا في نظر البعض سوى ثَمَّ كومة من المعادلات المعقّدة، وما كان أبدًا بالنسبة لهم بناءً هادئًا فوق أساسات بسيطة. الحق أن كل ما تعلّمناه - مهما بدا متشعبًا لاحقًا - كان يعود في جذوره إلى مفاهيم أولية بدائية بسيطة، كأن الكون نفسه مشيّد على البراءة التي نقوم نحن البشر أحيانًا وبلا مبرر، بتعقيدها.

فمثلًا مفهوم الجاذبية بوصفها نزعة الأشياء للسقوط والانجذاب، الكبير يندفع للصغير، نحن ممسوكون ومشدودون نحو الأرض. ونحن صغارًا، مع أننا لم نكن ندرك آنذاك لا قوانين نيوتن ولا انحناءات الزمكان الأينشتايني، لكننا استوعبنا لب الفكرة الأصيلة بيسر وعفوية: نعم، هناك شدّ ورباط وثيق خفي للجاذبية، مع أننا لم نره ولكننا ميزنا أثره وترعرعنا في خضم تبعاته. ومع تقادم الأيام، وجدنا أن هذا القيد البسيط هو الذي يضبط حركة الكواكب، ويحكم قبضته بالمجرات، وبالنتيجة هو يحول دون تبعثر الكون. إذن ها هو قانون واحد، بدأ بملاحظة طفولية، ولم يكد ينتهي إلا بهندسة كونية متكاملة.

ثم استُكشفت الكهرباء؛ وفي شقٍّ منها تتخلل الكهرباء الساكنة التي ما فتئت تستحوذ على دهشتنا كلما لسعتنا عند مقابض الأبواب. كما كنا حينها نستمتع بما يتدلى من قصاصات الورق على أطراف المشط والمسطرة. أما النوع الآخر فهو الكهرباء المتحركة التي تضيء مصباحًا صغيرًا، وتدفئ أيدي الأطفال الصغيرة الناعمة. ومن فرق الجهد يتولد تيارًا فيسري في المقاومة. تخيل معي، هذه الثلاث كلمات على بساطتها، كيف أخذت على عاتقها مؤونة تفسير كيفية عمل أفق واسع من المحركات، والاتصالات، والشبكات التي تحمل أصواتنا وصورنا عبر القارات السبع. لعلك تتفق معي الآن أن التعقيد ليس إلا صورة مبسطة لتكرار رتيب في ذات الفكرة المبدئية المحدودة «الذكية».

ماذا عن المغناطيس؟ كيف يمكن تصور أن قطعة حديد تنجذب «كالسحر» لأخرى، ذات شمال وجنوب، وبها يختصر مفهوم الاقتراب والنفور. من رحم ذلكم اللعب الطفولي استخلصت المحركات، والمولدات، وأنظمة الرفع، انتهاءً بالتسجيل الصوتي. حق لك أن ترفع القبعة إجلالًا لتلك الثنائية الثابتة التي صنعت حضارة تدور، فاستمتع الإنسان بازدهاراتها المتنوعة.

حتى في مجال الكيمياء والأحياء، لم نكن لنبتعد كثيرًا عن هذا النمط العفوي بجوهره الغريزي.

خذ مثال الفلترة عبر الأغشية النفاذة، تلك التي تسمح بمرور نوع بينما تحجب الجزيء الآخر. ألا ترى كفكرة أولية، أنها قادرة على أن تفسر كيفية عمل الكُلى في أجسادنا، ومحطات التحلية التي تغذينا بماء الشرب الزلال، وأنظمة التنقية المستخدمة في التطبيقات الصناعية المتطورة.

ماذا عن الخاصية الشعرية؟ هل ارتبطت في ذهنك بالنبات؟ كيف يتمكن السائل أن يصعد بالضد من اتجاه الجاذبية في أنبوب رفيع؟ وكأنه مضخة ماء. كتجربة بسيطة، وكمفتاح لفهم كيفية صراع البقاء عند النبات، عندما ينتقل الماء من التربة، بيسر وصمت.

في منحى آخر، هناك الظاهرة الأسموزية التي يمكن تفهمها من خلال حركة الماء حال سعيه للتوازن الأيوني. مبدأ بسيط قادر على فك لغز تضخم الخلايا الحية وانكماشها عبر حركة جزيئات الماء بين مسام الأغشية النفاذة، في تفسير مريح للغز بقاء الحياة نفسها عند الحد المطلوب بين الاعتدال والاتزان.

وهكذا وبنفس هادئ وبسيط، لا يختلف اثنان على أن الدين الإسلامي يستخدم المنطق والعقل في إثبات أصول الدين. فحتى لو لم يُبعث الله سبحانه وتعالى رسلًا إلى الناس، فإن قدرًا من السكون في التفكير، وتأملًا صادقًا في الوجود، كفيل بأن يقود العقل إلى الأصل الأول، بأن للكون خالقًا، من باب أن الأثر يدل على المؤثِّر. وعليه فلا يعقل أن يكون هذا الاتساق البديع وليد المصادفة العمياء.

الخالق لا بد أن يكون مختلفًا عن خلقه، ولا يمكن إدراكه بالحواس، هنا تبرز الحاجة إلى واسطة تُعَرِّفُنا بالله، وتدلّنا على مراده، وهم الرسل والأنبياء، مشفوعين بالأوصياء والأئمة، استمرارًا للهداية.

ولأن الإنسان - بطبعه - قد يظلم، ويغفل، ويطغى إذا ما أمن العاقبة، فإن العقل السليم يقود إلى نتيجة بسيطة أخرى، تتمثل في أن خالق الكون لا بد أن يتصف بأنه حكيم وعادل. لا يحب الظلم، ولا يرضى به، ولا يترك الظالم بدون حساب. إذن لا بد من يوم تُعاد فيه الموازين إلى نصابها، يوم الإنصاف والحساب، يومئذ تظهر أجلى صور العدالة الكاملة الحقة، حيث ينعم بالجنةِ من كان محسنًا، ويستحق النار من أصرّ على الظلم.

نجمل فنقول، كما في العلم، كذلك في الإيمان، يتضح لك قارئنا العزيز، أن أصولًا قليلة، واضحة، متى ما استقرت في النفس بهدوء، انبنى عليها فهم واسع، وسلوك مستقيم، ورؤية متماسكة للكون.

هكذا يستبين القانون الشامل للبساطة في جميع أرجاء الوجود، في العلم وفي النفس وفي الاعتقاد.