آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

حوكمة سوق العمل السعودي

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * ‏صحيفة اليوم

نشرت الهيئة العامة للإحصاء مؤخرًا بيانات الربع الثالث من عام 2025، والتي أظهرت نسب معدل البطالة بين المواطنين السعوديين، هذه الأرقام، بطبيعتها، لا تُقرأ بمعزل عن السياق، بل تُعد جزءًا من منظومة قياس شفافة تعكس واقع سوق العمل في لحظة زمنية محددة، وهو أمر يُحسب للنهج المؤسسي الذي تتبناه الدولة في إتاحة البيانات ومشاركتها للرأي العام.

رغم ما تحقق خلال السنوات الماضية من توسع في برامج التوطين، ودعم التوظيف، وتمكين المرأة من دخول سوق العمل، إلا أن قراءة هذه البيانات تطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى كفاءة تحويل هذه الجهود إلى نتائج تشغيلية مستدامة.

ارتفاع معدل البطالة، خصوصًا بين النساء، لا يعني بالضرورة تراجعًا في السياسات، لكنه قد يشير إلى وجود فجوة تنفيذية بين تصميم البرامج وواقع السوق، أو إلى أن بعض الأدوات الحالية لم تعد كافية لمعالجة التحديات المستجدة.

وتتضح المشكلة بشكل أكبر عند مقارنة معدلات البطالة بين المواطنين وغير المواطنين، حيث ما زالت الفجوة قائمة، وهو ما يلفت الانتباه إلى أن سوق العمل لا يزال يواجه صعوبة في استيعاب الكفاءات الوطنية بالشكل الأمثل، رغم توفر الرغبة، والتأهيل، والدعم الحكومي.

عند التعمق في الأسباب، نجد أن التحدي لا يقتصر على عدد الوظائف المتاحة، بل يمتد إلى طبيعة هذه الوظائف، وملاءمتها للمهارات الوطنية، وبيئة العمل المحيطة بها.

ففي جانب، هناك تسارع في مخرجات التعليم والتدريب، يقابله سوق عمل يتغير بسرعة أكبر، ما يخلق فجوة بين العرض والطلب. وفي جانب آخر، ما زالت بعض القطاعات تعتمد بشكل كبير على نماذج تشغيل تقليدية، أقل مرونة في استيعاب المرأة أو الاستفادة من أنماط العمل الحديثة.

أما فيما يخص ارتفاع بطالة السعوديات، فإن التعامل معه كرقم مجرد قد يُغفل أبعادًا تنظيمية وثقافية وتشغيلية، تتعلق بمرونة ساعات العمل، وطبيعة الفرص المتاحة، ومسارات التطور الوظيفي. وهي عوامل لا تُحل بقرار واحد، بل تتطلب تنسيقًا مؤسسيًا طويل النفس بين عدة جهات.

ومن منظور الحوكمة، فإن هذه التحديات تشير إلى حاجة أكبر لـ «تكامل السياسات» بين التعليم، والتدريب، وسوق العمل، بدل أن تعمل كل منظومة بمعزل عن الأخرى، حتى وإن كانت الأهداف النهائية متقاربة.

انطلاقًا من هذه القراءة، يمكن النظر إلى مؤشرات البطالة الأخيرة كفرصة لتعزيز الحوكمة، ومن هنا تبرز عدد من التوصيات العملية:

أولًا: تعزيز الإطار الحوكمي لمؤشرات سوق العمل، بحيث لا تُقرأ البيانات كأرقام ربع سنوية فقط، بل كمدخل لتقييم الأثر الفعلي للبرامج، مع مراجعات دورية مرنة تسمح بالتعديل والتحسين.

ثانيًا: تعميق الربط بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات السوق الفعلية، من خلال تخطيط أكثر دقة للقوى العاملة، يستند إلى بيانات مستقبلية، وليس فقط إلى الاحتياج الآني.

ثالثًا: تطوير بيئة العمل بشكل يدعم مشاركة المرأة بصورة مستدامة، عبر تعزيز المرونة التنظيمية، وتوسيع نماذج العمل، وربط التمكين الوظيفي بمسارات مهنية واضحة، لا بمجرد أرقام توظيف.

رابعًا: تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في المواهب الوطنية بوصفه شريكًا في التنمية، عبر أدوات تشجيعية ذكية، تركز على الجودة والاستدامة لا على الامتثال الشكلي.

قوة سوق العمل السعودي لا تقاس فقط بانخفاض أو ارتفاع مؤقت في معدل البطالة، بل بقدرته على التكيف، ومؤشرات الهيئة العامة للإحصاء، حين تُقرأ بهذا العمق، يمكن أن تكون أداة فاعلة لتعزيز جودة القرار، ودعم مسار وطني طموح، يتقدم بثبات نحو اقتصاد أكثر كفاءة وشمولًا.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي