آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 10:26 م

البندول

حسين مكي المحروس

طرحتُ على زميلٍ ذاتَ يومٍ سؤالًا ظننته بسيطًا، فإذا به ينقدح بداخلي باب واسع من التمعن بسبب إجابته. بادرته: لو كنتَ في مسجد النبي ﷺ، وعرض لك ألمٌ في رأسك، وفي جيبك حبّة بنادول، أتتوسّلُ فتشربها، أم تأخذها وأنت ترجو الشفاء من الله ببركات النبي ﷺ، أم ماذا؟

باغتني بإجابة صاعقة بالنسبة لي، بجملة قصيرة، حادّة، وبلا تردّد: آخذها ولا أتوسل!

تأملت طويلًا عند هذه العبارة التي تكشف عن أزمة في فهم معنى ومغزى وفائدة التوسل؛ فهي مع ما حوته من غاية الجرأة على مقام النبي ﷺ وعلى أهل بيته الكرام ، كانت أيضًا بمنتهى الكشف والفضح عن البندول «ثقل معلق يتأرجح» الخفيّ الذي يتذبذب في داخلنا. بندول أزمة الفهم والوعي والإدراك للخيط الرفيع بين السبب والمسبّب، بين الأخذ بالأسباب والتعلّق بها، بين أهمية التوكل الحقيقي على الله مع أخذ التوسل طريقًا إليه، وبين التواكل المتلبّس بثوب الورع، بين المتقنّع بالجهل القاصر والمقصّر والجهل المركّب، وبين الافتقار لأدنى استيعاب حقيقي لأهمية أخذ النبي ﷺ وسيلة في قبول جميع أعمالنا.

لا يخفى على القارئ العزيز والقارئة العزيزة أن «البندول» في الفيزياء جسمٌ صغيرٌ ذو حركة محكومة بقانون صارم؛ يتأرجح يمينًا ويسارًا، لم يحدْ عن مساره يومًا، ولا ادّعى أنه صاحب قرار. لا يمتلك قوة من ذات نفسه، وسر قوته يكمن في طبيعة ومدى التزامه بالنظام المتأرجح الذي أودعه الله فيه. كذلك نحن في قضية الأخذ بالأسباب؛ من دواء، وعمل، وتخطيط، فهذه كلّها أمثلة حيّة واقعية لبندولات تتحرّك فينا ومعنا وبمعيتنا ضمن إطار سنن الله في الكون. لم نزعم أبدًا أنها تمتلك أي قدرة بذاتها من ذاتها على الشفاء أو الرزق أو تغيير القدر، لكنها تؤدّي دورها بدقّة، ضمن قانون السببية، والسنن الكونية الطبيعية.

حبّة البنادول - هذا المسكّن الصغير - لا تملك أن تشفيك بذاتها بمعزلٍ عن إرادة الله وعلمه وحكمته. الحقيقة المتجلية هي أن الله سبحانه قد أودع فيها إمكانية وقدرة واحتمالية الشفاء المشروط والمرتهن لمشيئة الله وإمضائه. فهو سبحانه الوحيد الذي يملك تفعيل هذه الإمكانية، متى وكيفما شاء. نعم، إن الحبة مادة مخلوقة مطيعة وعبدة لله ذات أثر محدد ومحدود، جعل الله فيها خاصية تخفيف الألم، مع كون هذا التفعيل وذات التخفيف متعلقين بمقدرة الله وتمكينه. على ضوء هذا الإدراك، يتبدل السؤال من ”هل آخذها أم لا؟“ إلى ما هي عقيدتي وقلبي وتفكيري وتوجهي وحالتي وارتباطي الروحي بالله عز وجل، وهل قدّمت النبي ﷺ وأهل بيته بين يدي الله واتخذتهم وسيلة للشفاء حال أخذي لتلكم الحبة؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء - 80].

هل كان اعتقادي في كينونة الحبة أنها كانت هي الشافية بذاتها؟ أم اعتبرتها مجرّد أداة وسبب ووسيلة للشفاء الذي هو من الله وبيده وبمقدوره؟ عين اعتقادي في سببية الحبة هو نفسه يقيني في أن النبي ﷺ سببٌ للشفاء بإذن الله سبحانه. الفارق الجوهري هو أن النبي ﷺ سبب في وجود الكون بأسره بما في ذلك أنا وأنت والدواء. مع أن المطر يتكوّن تحت سبب وظرف طبيعي فيزيائي مدروس ومعلوم، إلّا أنه لا يملك إلا أن يجري على طبق سنن الله سبحانه وقوانينه. لا بد أن نلتفت إلى أن تقدير كيفية ومقدار وآنية تلبّد السحاب في السماء، وحركته من بلد لآخر، وتحديد أين ومتى وكيف وإلى أي مدى ينزل المطر؛ قال تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر - 21]، كل ذلك يجري بتقدير الله وإرادته ورحمته؛ ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة - 69].

التوسل الواعي يتكامل من كونه مجرد لقلقة لسان، ورفع كفّين قبل ابتلاع قرص دواء، إلى حالة راقية من استحضار واقعي لمنزلتهم. هو استحضار للوعي والإدراك والخضوع لمنصب محمد وآله، والعرفان بمكانتهم، والإقرار بفضلهم، والتذلل لمقامهم، والاستيعاب لمرتبتهم. قد تتوسل وأنت لم تنطق بعد، وبالمقابل قد تلهج بجميع أنواع الأدعية لكن فكرك لا يزال ينصرف إلى لون الحبة ورائحتها وطعمها. لم يحضر قلبك بعد، لم تعش حالة التبعية، والحاجة، والافتقار، والانقطاع، واللجوء، والالتجاء، والمسكنة، والوحدة، والوحشة من غيرهم، والشوق والحنين إليهم، والغربة الممزوجة بالأنس بهم. وهنا مكمن الخلل.

بندول الفهم الحقيقي لمقام أهل البيت في قلوبنا، ذلك هو البندول الذي يستحق أن نراقبه.