720 درجة
كثيرًا ما نسمع عن مفهوم النظرة من زاوية 360 درجة، وهو إشارة إلى الرؤية الشاملة، من جميع الأركان، بغير إهمال لأي جهة، إيذانًا بالاستيعاب والاحتواء.
في هذا المقال نريد أن نتحدث عن تفعيل أسلوب النظرتين، بدل إعمال النظرة الواحدة. فمرة مع ومرة ضد، بمجموع 720 درجة، قبل إصدار الحكم النهائي في الأمر، مما يتيح للشخص التقييم الأولي مشفوعًا «من ثم» بإعادة التقييم من وجهة النظر المقابلة، لعله عند تنشيط النظرة الثانية المعاكسة، ربما يتضح لك ما لم يكن واضحًا مسبقًا. قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24]، مع أنه قطعًا ﷺ يعلم عين اليقين أنه على الحق الزلال وأنهم على الباطل.
فكما ورد عن رسول الله ﷺ: «احمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا من الخير»، ورد كذلك عن الإمام علي
: «أنصف الناس من نفسك».
كثيرًا ما تنشب الخلافات الأسرية في البيت لأسباب تافهة. ابنك قد تأخر خارج المنزل، زوجتك لم تفهم ما قصدت قوله، زوجك لم يبرز حبه لك، لعلها كلمة عابرة قد قيلت من دون قصد. بينما ترى في النظرة الأولى الإهمال، فتستدعي من طرف اللوم على حساب الطرف المقابل. كان الأجدر بك أن تدرك من خلال التقييم والنظرة الثانية وتتساءل: ”ماذا لو“ كان هناك شيء خفي لم أعلمه، لم أفهمه، لم أدركه، لم يصلني بعد أو وصلني ناقصًا مبتورًا محرّفًا؟ لعل في الأمر ضغط خفي صامت لم أفطن إليه؟ خوف لم يبح أحد به؟ بمجرد دوران العدسة للزاوية الثانية، يتحول الغضب إلى فهم أعمق، ويستحيل العقاب احتواء، فننعم بالهدوء ويسكن الضجيج ويطمئن أهل البيت، وذلك فقط لأننا قمنا بتحكيم العينين في مقابل العين الواحدة.
في جوِّ العمل، قد ترى زميلك متراخيًا أو تعتبر مديرك متشددًا أكثر مما ينبغي. لذا يصبح تقييمك الأولي في أن تُدين الأداء والأسلوب، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: 4]. فبعد إعادة التقييم الأولي، قد ينكشف لك أحيانًا أن التراخي ناتج عن نقص التدريب، أو أن التشدد وُلد من رحم المسؤولية الثقيلة. أسلوب ال 720 درجة هذا يصنع قائدًا عادلًا، ويتعامل مع موظف منصف، بعد أن أعطى كل طرف لنفسه مساحة كافية لتجربة ”ماذا لو“ بالتمثل والتموضع على الضفة الأخرى من النهر قبل أن يقوم بإصدار الحكم النهائي والتبصيم عليه.
أما في السوق، فغالبًا ما نستعجل في حكمنا على التاجر، هذا المنتج غالٍ، وذاك البائع جشِع. النظرة الأولى تحاسب السعر، بينما النظرة الثانية تتابع التكاليف والمخاطر وتقلبات العرض والطلب والإيجار. حينها فقط نفهم أن ليس كل غلاء منشؤه الجشع والطمع، وبالمقابل ستقتنع بأن بعض الرخص ليس سببه الأمانة والقناعة. بهكذا وعي سوف تقوم بعملية الشراء بشيء من التعقل والروية والدراسة والتمحيص، وهو يبيع منتجاته بضمير وأمانة وفي نفس الوقت بربح وفير.
أما في دائرة الأصدقاء، فيغلب عليه أن تُسيء زلة واحدة إلى تاريخ طويل من العشرة والاحترام المتبادل. بنظرة عابرة قد ترى بوادر الخذلان، وعليه فمن السهل عليك اتخاذ قرار بقطع العلاقة ”التي قد تصنفها في حينها تحت طائلة المسمومة“ مع الطرف الآخر. أما بعد الكرة الثانية فسوف تستحضر العِشرة، وتبحث له عن عذر، فتقوم تلقائيًا بمنح فرصة جديدة مواتية له، قل بل فرص شتى. لقد آن لك أن تستبدل قناعتك من اعتبار الاعتذار دليلًا على العجز والضعف، ومن أن ما شهدته من حزم كان نابعًا من القسوة؛ تبدل كل ذلك إلى الضفاف الأخرى حيث أمسيت تؤيد الحكمة وتؤطر لمفهوم الزاويتين، من قبل ما ينغلق باب الفهم والنقاش.
ومع الأرحام، يشتد فرط الحساسية في الكلام والتعامل الحذر. كلمة عابرة غير مقصودة فإذا بها قد ورثت قطيعة الأرحام، ورب موقف يتيم ساهم في النفور والجفاء. بينما التقييم الأولي كان يركز على الاعتزاز بالنفس وحفظ الكرامة، أدارت النظرة الثانية الدفة بحرفية فأضحت كفيلة بحفظ وصيانة لحمة القرابة. وبين الرؤيتين ميزان دقيق، لا يُمسك بهما معًا إلا من تدرب على فن الذكاء العاطفي ومهارة إدارة الحق: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
ختامًا، يتحتم علينا أن لا ننظر إلى درجة 720 على أنها تمييع للحق أو تسطيح للأمور، بقدر ما هو إعطاء فرص مضاعفة للوصول للرأي الحكيم وتفعيل الرؤية الرزينة المتوازنة المتأنية. ذلك أسلوب ترويض لحياة جديدة وتمرين على العدل، وتحصين من التسرع، وبوابة إلى الرؤية العميقة ونافذة واسعة للبصيرة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].













