مخطوطات ”آل عرفات“ تخرج من عتمة النسيان لتوثّق قرناً من الحراك العلمي في القطيف
أماطت دار المحبين بمدينة قم اللثام عن كنز معرفي ظل في طي الكتمان لعقود طويلة، بإصدارها كتاب «رسائل آل عرفات» في طبعته الأولى لعام 2025، موثقة بذلك نتاجاً علمياً وأدبياً نادراً للشيخ إبراهيم بن مهدي آل عرفات القديحي، أحد أبرز أعلام القرن الثالث عشر الهجري، لتعيد بذلك رسم ملامح مرحلة مهمة من التاريخ الثقافي للمنطقة بعد أن كاد الزمن يطوي صفحاتها.
ويأتي هذا الإصدار تتويجاً لجهود بحثية مضنية قادها المحقق الشيخ عبدالغني العرفات، الذي نجح في تتبع خيوط تراث الشيخ إبراهيم «المولود في القديح عام 1180 هـ»، وجمع شتاته المتفرق بين المكتبات والمخطوطات المنسية، ليخرج العمل في جزأين يضمان سبع رسائل متنوعة تكشف عن موسوعية المؤلف وتنوع اهتماماته بين الفقه، واللغة، والأدب، والأخلاق.
وكشف المحقق العرفات أن رحلة استعادة هذا التراث لم تكن مفروشة بالورود، بل جاءت وليدة الصدفة والبحث الدؤوب؛ إذ بدأت الشرارة الأولى عام 1372 هـ حين عثر العالمان الشيخ فرج العمران والشيخ حسين القديحي على كتاب ”الردود والنقود“ في مكتبة الإمام الرضا بمدينة مشهد، وصولاً إلى الاكتشاف الأهم عام 1446 هـ بالعثور على مخطوط يضم مجموعة من رسائل المؤلف، مما مهد الطريق لجمع هذا الشتات في إصدار موحد.
ويقدم الكتاب قراءة معمقة في عقلية الشيخ إبراهيم آل عرفات من خلال تنوع الرسائل المحققة، حيث يبرز في علوم القرآن واللغة عبر ”الألفية في غريب القرآن“ التي شرح فيها مفردات القرآن نظمًا ووصل فيها إلى 520 بيتًا، إضافة إلى منظومته في النحو لكتاب العوامل للجرجاني وشرحها، مما يعكس المنهجية التعليمية التي كانت سائدة في الحوزات العلمية آنذاك.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب اللغوي، بل يغوص في العمق الفقهي والعقائدي عبر أوراق شرح فيها المؤلف كتاب ”كشف الغطاء“ لأستاذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء، مقدمًا تقريرات دراسية تمزج بين آراء الأستاذ واجتهادات التلميذ، إلى جانب رسالة أخلاقية في ”التوبة“ كتبها في النجف الأشرف، وشرحه للقصيدة الطنطرانية في مدح الإمام علي بن أبي طالب.
وفي لمحة تكشف الجانب الإنساني والأدبي الطريف للمؤلف، يضم الإصدار قصيدة ”نانا وحلو“، وهي منظومة فكاهية نظمها عام 1228 هـ مجاراة للشيخ البهائي، مزج فيها بين الحكمة والترويح عن النفس، متسائلاً عن ”الخبز والحلوى“ في قالب شعري طريف يعكس روح الدعابة التي لم تغب عن مجالس العلماء في تلك الحقبة.
ويشكل صدور ”رسائل آل عرفات“ إضافة نوعية للمكتبة التراثية الإسلامية، وإحياءً لذكرى عالم توفي قبل عام 1269 هـ، ليعود نتاجه اليوم شاهداً على الحراك العلمي الذي شهدته محافظة القطيف، ومؤكداً أن المخطوطات الضائعة لا تموت، بل تنتظر من يبعث فيها الروح من جديد.













