آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

من عبق الماضي: ذاكرة الغوص القطيفية ”توب يا بحر“

حسن محمد آل ناصر *

حين نعود إلى الماضي ونسترجع شريط الذكريات إلى زمن الغوص، لا نستحضر مهنة فحسب، بل نستدعي حياة كاملة نسجها البحر بمدّه وجزره، حيث شكّلها الخوف والرجاء والفقد والانتظار. كان البحر في وجدان الأجداد كائنًا حيًّا يُخاطَب ويُعاتَب ويُخشى ويُسترضى، إذ إنه مصدر رزق، وفي الوقت ذاته باب الفراق الطويل.

في تلك المرحلة القاسية من تاريخ الخليج العربي، وبالتحديد في القطيف، عاش الرجال شهورًا في عرض البحر، يصارعون الأمواج والعواصف، ويغوصون في الأعماق طلبًا للؤلؤ، تحت إمرة النوخذة الذي يقود السفينة ويوزع الأدوار، بينما تبقى النساء والأطفال على الساحل يراقبون الأفق ويعدّون الأيام حتى موعد القفال، يوم العودة المنتظر الذي كان أشبه بالعيد الممزوج بالقلق.

ومن رحم هذا الانتظار وُلد فلكلور شعبي غني بالمعاني، متجليًا بالأهازيج والأناشيد البحرية، ولعل أشهرها: توب توب يا بحر.. توب توب يا بحر.. أربعة والخامس ظهر، توب توب يا بحر.. توب توب يا بحر.. هات عيالنا من البحر، توب توب يا بحر.. توب توب يا بحر، ما تخاف من الله يا بحر.. ما تخاف من الله يا بحر، يا نواخذهم لا تصلب عليهم.. يا نواخذهم لا تصلب عليهم، ترى حبال الغوص قطعت إيديهم، توب توب يا بحر.. توب توب يا بحر، ياليتني فوق الدقل حمامة.. ياليتني فوق الدقل حمامة، أبشر يا غواص بالسلامة.. أبشر يا غواص بالسلامة، ياليتني.. إدهينه وأدهن إيديهم.. ياليتني إدهينه وأدهن إيديهم… وياليتني خيمة وأظلّل عليهم.. وياليتني خيمة وأظلّل عليهم …

هذه الأهازيج لم تكن مجرد لحن، بل طقسًا جماعيًّا تمارسه النساء قبل موعد القفال بنحو شهر، حيث يجتمعن بعد غروب الشمس عند السِّيف «شاطئ البحر» بإشراف امرأة قوية تتولى تنظيم الإنشاد وتحمل مسؤولية المجموعة، وتتعالى الأصوات في دائرة متحركة مصحوبة بالأهازيج والدعاء والنداء، وكأنهن يواجهن البحر وجهًا لوجه. كان الهدف من هذا الطقس، وفق المعتقد الشعبي، تخويف البحر وتأديبه، إذ اعتُبر السبب في فراق الأحبة وطول غيابهم؛ فالبكاء والإنشاد والتهديد لم يكن عبثًا، بل رجاءً بأن يعيد البحر الرجال سالمين غانمين محمّلين باللؤلؤ والخير.

ولم يتوقف الأمر عند الإنشاد، إذ تحمل النساء سعف النخيل المشتعل ويضربن به الماء في مشهد رمزي يعكس رغبة دفينة في أن ”يحسّ البحر“ بحرقة الفراق كما أحسّت القلوب. كانوا يعتقدون أن كيَّ البحر بالنار وضربه سيجعله ألين وأرحم، ومن أغرب هذه الطقوس ما عُرف بطقس ”القطوة“، حيث تُزيَّن قطة بقطعة من المشموم، وتقوم امرأة شجاعة بثقب أذنها وتعلّق خرزًا فيها، ثم تُغمس في البحر مرات عدة في محاولة رمزية ”تنجيس البحر“. وعندما تصرخ القطة من الألم تردد النساء بصوت واحد: ياو، ياو، ياو،

أي بمعنى: جاؤوا، جاؤوا، جاؤوا، في إشارة تفاؤلية بعودة الغواصين. وفي الوقت ذاته تستمر أخريات في حرق السعف أو رمي الحصى أو سكب ماء مدمج مع أنواع عشبية في البحر، كلٌّ يعبّر بطريقته عن شوقه ووجعه.

هذا التراث الشعبي البحري لم يكن معزولًا عن المكان، بل ارتبط بالمدن الساحلية التي شكّلها البحر وصاغ هويتها، وفي مقدمتها القطيف، المدينة التي عاشت قرونًا على إيقاع الغوص وصيد السمك بحكم قربها من الخليج العربي واتصالها اليومي بالبحر كمصدر للرزق والثقافة والعمران. لقد سادت فيها مهنة الغوص وازدهرت حولها الحكايات والأناشيد والطقوس لتغدو جزءًا أصيلًا من حضارتها الاجتماعية.

تبقى أهازيج وأناشيد البحر وطقوسه شاهدًا حيًّا على مرحلة زمنية شديدة القسوة، لكنها غنية بالمعاني التي تختزن في تفاصيلها صبر الأمهات وقوة النساء وشجاعة الرجال، وتكشف كيف حوّل الأجداد الخوف إلى طقس، والفراق إلى أنشودة، والبحر إلى مخاطَب يُرجى ويُعاتَب، في ذاكرة لا تزال تنبض حتى اليوم.