سجين
تتأرجح حياة الإنسان بين لحظات السعادة والألم، بين الضحك والدموع، وبين الحرية والأسر. كل منا يواجه في مسيرته أحداثًا جميلة تبعث في نفسه الأمل والحيوية، وأخرى مؤلمة تصهر الأحلام في صهرات الظلام. نعيش جميعًا حالة من التنوع في المشاعر، لكن هناك من يجد نفسه محاصرًا خلف جدران من الأفكار والمشاعر المكبوتة، ليصبح سجينًا بشكل غير مرئي. فما سبب هذا الأسر النفسي، وكيف يؤثر على حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين؟
في أعماق النفس البشرية، يكمن شغف الحياة بكل تجلياتها من فرح وحزن، لكن ماذا يحدث عندما يختار الإنسان دفن مشاعره وصراعاته في زوايا داكنة من الذاكرة؟!
يتشكل سجنٌ داخليٌ لا يمكن للضوء أن يتسلل إلى زواياه، حيث يصبح الألم رفيقًا دائمًا والإحباط شعارًا للعيش. أجمل اللحظات تُختزل في ظلال الذكريات المؤلمة، فيجد الإنسان نفسه يعاني وحده، بعيدًا عن من حوله.
فكر في ”هشام“، الشاب الذي كان يحلم بالنجاح ورسم مستقبله الزاهر. لكنه تعرض للخيانة من أقرب الناس إليه، فقرّر أن يتقوقع داخل نفسه، مُصورًا عواطفه على أنها ضعيفة. بدأ يتجنب اللقاءات الاجتماعية، وتدهورت علاقاته، ليكون وحيدًا مع أفكاره التي تحولّت إلى سلاسل تكبله. راحت الأيام تتسرب من يديه، وأصبح كل يوم يشبه الآخر، يسير في دائرة مفرغة من الحزن، بينما يعيش الآخرون حياتهم بكل بهجة.
وفي زحام الأفكار المكبوتة، يتحول القلق إلى عدّوٍ مخيف. يتسبب في توتر الأعصاب واحتراق الروح. المُعاناة الداخلية تُظهر نفسها على السطح، فينعكس ذلك على العلاقات ومن حوله. ما إن يفكر في بدء حديث مع صديق حتى تعاود الأفكار السلبية الهجوم عليه، مُتلاعبةً بمشاعره، متخذةً شكل عقباتٍ لا نهاية لها.
ومع مرور الأيام، يتعلم ”هشام“ أنه ليس وحيدًا في هذا الصراع، فالمشاعر المكبوتة تَنقلب إلى كائن حي مُتوحش، يطارد كل أمنياته. يكاد يراها ككلابٍ تعوي في الفضاء، فيعود ليستسلم لليأس الذي يفرض نفسه عليه بإحكام. هنا يبدأ التساؤل: هل هو حقًا سجين أفكاره، أم أنه اختار أن يكون سجينًا لنفسه؟
ختامًا
لنتأمل إلى ”هشام“ ونتساءل: كم من ”هشام“ يعيش بيننا؟ تُرى، هل يمكن أن يخرج من سجنه ويستعيد البسمة إلى حياته، أم أنه سيظل على حاله معزولاً عن العالم، بينما يغمره الإحباط؟ هل لا بد من المرور بتجارب العذاب لنكتشف المرونة الكامنة في نفوسنا؟ في حياتنا الفانية، هل يستحق الإنسان أن يعيش ضمن جدران من الألم والإحباط بلا ثمن؟
علينا جميعًا أن نفكر جيدًا في الخيارات التي نتخذها، لأننا لا نعيش إلا مرة واحدة.
















