نمتم وسهرنا
أظن أن السعادة - في جانبٍ منها - تولد حين يحقق الإنسان ما كان يصبو إليه بعد المشقة والتعب. أمّا من تُتاح له الأشياء بلا عناء، فلا يكاد يذوق إلا سعادة قصيرة الأمد لا يكاد يشعر بها إلا وانتهت. من يظن أن قيادة سيارة فاخرة تعني السعادة يخطئ كثيرًا؛ فمَن اعتاد هذا النوع من السيارات لا يشعر بشيء مميّز، بينما الذي امتلكها بعد سعيٍ وجهد يفرح بها ثم لا يلبث أن يألفها مع مرور الوقت، فتغدو أمرًا عاديًا. هنا يبرز السؤال: أين هي السعادة المستدامة حقًا؟ وكيف نبلغها؟ وإذا كنت اليوم متقاعدًا، جالسًا في البيت بين أربعة حيطان، وقد مللت السفر واقتناء الأشياء، فمن الذي يبهج القلب بعد كل هذا؟ كثيرًا ما يتسلل الفراغ والكآبة. غير أن الجواب كما أعتقد إضاءةُ قولٍ عظيمٍ للإمام علي
حين روي عنه قوله: «من تساوى يوماه فهو مغبون»، فالسعادة في جزء مهم منها ليست فيما نمتلكه، بل في أن يكون يومنا أفضل من أمسه. أن نعلم - كل يوم - شيئًا جديدًا، أن نكتسب - كل حين وآخر - فنًا جديدًا.
قِيل: لو أدرك الأغنياء لذّة طلب العلم لنازعوا الفقراء عليها. وفي هذا المعنى تتراءى لي بوضوح قصة طالبان للعلم تزاملا زمنًا ثم افترقا، ثم التقيا بعد أعوام، فإذا بالحوار بينهما يكشف تفوّق أحدهما تفوقًا كبيرًا. سأل الأقل علمًا صاحبه: كيف بلغت هذه المنزلة؟ فأجابه بكلمة تستحق أن تُعلّق في كل مجلس وتُحفظ في كل قلب حين قال: نمتم وسهرنا. إنها كلمة تدعو إلى الجدّ وبذل الجهد؛ فذلك العناء هو الطريق إلى سعادة الدنيا والآخرة، حين يكون العلم من النوع الذي يرقّي النفس قيمًا وأخلاقًا. وكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد شوقًا إلى المزيد، فعاش عقلًا متّقدًا وروحًا مفعمة بالغبطة. أمّا ذاك الذي لا يختلف يومه عن أمسه، فيغلب عليه الفراغ وتستبدّ به الكآبة حتى ينقضي عمره وهو لا يذوق لذّة النمو.
ليس امتلاك السيارات الفاخرة، ولا كثرة السفر، ولا تكديس الأشياء هو ما يصنع السعادة الدائمة؛ فهذه كلها بهجة عابرة. أما اللذّة التي تبقى، فأراها في الاستزادة من العلم. فكلما تقدّم الإنسان فيه، اتّسع أفقه وشعر بأن الطريق أطول من أن يُدرَك منتهاه، فيظلّ قلبه فرحًا بما يضيفه إلى عقله من فهمٍ وفكر. فإذا غلبت الكآبة أحدَنا وضاق صدره بأسباب السعادة، فليجرّب صحبة العلم ومجالسة أهله؛ ففي ذلك دواء للنفس وثواب لا يدرك منتهاه. وفي الرواية: عن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر الجلوس ساعة عند مذاكرة العلم أحب إلى الله من قيام ألف ليلة يصلي في كل ليلة ألف ركعة، والجلوس ساعة عند مذاكرة العلم أحب إلى الله من ألف غزوة وقراءة القرآن كله. قال: يا رسول الله مذاكرة العلم خير من قراءة القرآن كله؟ فقال رسول الله ﷺ: يا أبا ذر الجلوس ساعة عند مذاكرة العلم أحب إلى الله من قراءة القرآن كله إثنا عشر ألف مرة». كل ذلك إشارةٌ إلى عِظم شأن العلم وما يفتحه للإنسان من طريقٍ إلى سعادة الدنيا والآخرة.
















