تأمّلات في قانون الطاقة
ربما سمعتَ أهلَ الفيزياء يقولون إن الطاقة لا تفنى ولا تنعدم ولا تُستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر، وأن مقدار الطاقة الناتجة يساوي مقدار الطاقة المتحولة. ومثل هذا الكلام يطبقونه بتفاصيله على المادة، من زاوية التناسخ والتمازج بين المادة والطاقة، مع أن كل مادة طاقة وليس كل طاقة مادة.
وبالمقابل فإن في تراثنا الإسلامي هذه الآية الكريمة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ، مضافًا إليه هذا التوضيح من الزهراء
بأنه قد «ابتدع الأشياء لا من شيءٍ كان قبلها».
نريد هنا أن نقارن بموضوعية وحياد أفق التوافق والتباين بين المدرستين، بغية رفع اللبس عمّن يظنّ أن ما بين الاتجاهين تكمن فيه خصومة، وأن أحدهما مناقض للآخر.
التأمّل الهادئ يكشف واقعًا لا يوجد خلاف في كنه المفهوم والتعريف، إنما التباين منحصر في مقدار زاوية النظر، وفي مستوى التطبيق.
بالالتفات إلى أن قانون بقاء المادة والطاقة، من جهة أنه لا يمثل في جوهره بيانًا ميتافيزيقيًا، وأنه لا يرتقي إلى الادّعاء بأزلية الكون. على العكس، فإنّه يسعى للتمحور حول وصف ديناميكي لسلوك الأشياء داخل النظام الكوني القائم أصلًا. بمعنى أدق، ما دامت قوانين الكون تعمل، فإنّ الطاقة لن تختفي، ها هي في تحوّل وحركة جوهرية دائمة؛ وبهذا القيد فإن المادة لا تزول، بل على العكس من ذلك إننا نجدها تنتقل من صورة إلى أخرى، مع بقاء مفهوم ابتداع وديمومة وفناء المادة كمحصلة وكنتيجة طبيعية لهذا الكم من التحول والتحور والتمحور الشكلي الخارجي.
على سبيل المثال، مع أن الخشب يحترق فإنه بالطبع لا يفنى، يصير حرارةً، وضوءًا، ورمادًا، وغازًا. والجسم لا يختفي بالموت، مع كون عناصره قد تحلّلت، إلا أنها تعود إلى الأرض التي كان قد خُلق منها: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]. نتمنى أن يتضح للقارئ العزيز الآن أن معنى الفناء هنا بعيد عن كونه عدمًا مطلقًا محضًا، إذ ها هو يتمظهر في تبدّل الوظيفة والصورة الخارجية مع البقاء والمحافظة على اللب والجوهر.
وبالمقابل فإن آيات القرآن الكريم تتجاوز الحديث عن التحوّلات الواقعة داخل النظام نفسه، لتنتهي بالإشارة إلى مصير النظام برمته. حين يُقَرِّرُ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ، عندها يتخطى نقاش الكيمياء والفيزياء، إلى وضع خطًّا فاصلًا بين ممكن الوجود «وهو جميع المخلوقات» وواجب الوجود «وهو الله سبحانه وتعالى».
معضلة الفيزيائيين هي أنهم يدورون في فلك محصور بحدود الكون؛ لذلك، بالنسبة لهم، وهم يقبعون في أسر هذا الظرف الكوني الضيق، ساغ لهم القول مجازًا بأن لا شيء يضيع أو يفنى. على الضفة الأخرى، فإن أطر القرآن الناظرة إلى كل ما اشتمل عليه عنوان أنه مخلوق لله عز وجل، بما في ذلك الكون نفسه، فإنه لا شيء يبقى، وأن كل موجود فهو صائر إلى زوال، وبهذا تتلاشى الشبهة.
في الوقت الذي يصف فيه قانون الطاقة ما يحدث من تحولات بعد الانفجار العظيم، نقرأ قول الحق سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]، مقررًا أن مصدر الابتداء والخلق هو ذاته سبحانه. أوجد الكون في تلك اللحظة التي لم يُخلق فيها بعد أي نظام أو قانون، ثم كان كل شيء بقدرته وحكمته. وعليه نلخص فنقول: إنّ قولهم بأن الطاقة لا تُستحدث من العدم كلام صحيح في خصوص حيطان المختبر، مع افتقاره لأي سلطة في تبيين حوادث ومتعلقات ما قبل بداية نشأة المختبر نفسه. انظر للعلم وهو يبرز عجزه عن أن يوجد أي نوع من أشكال طاقة يوجدها من العدم، مع نفيه الادعاء بأن الطاقة لم تُخلق أصلًا.
إنّ عجز العلم عن الاستحداث هو في حد ذاته شاهد على الافتقار؛ فالكون نظام مغلق، لكنه ليس قائمًا بنفسه. قوانينه تحفظه وتسيره طبقًا لسنن الله في الكون، ولكنها لا تستطيع أن تُنشئه من لا شيء. ثم إنّ الهلاك في الآية لا يعني العدم العدميّ كما يتصوّره الذهن الماديّ، بل يعني الزوال عن الاستقلال عن الله. أي أن كل ما سوى الله فوجوده متعلق على الله، محتاج إلى الله، مؤقت ومفتقر لله، حتى وإن استطال به العمر أزمانًا ودهورًا.
الطاقة نفسها، وهي متجلية في أبهى صورها، لا تمتلك الادعاء بأنها باقية بقاءً ذاتيًا. على العكس تمامًا، فهي محكومة، مضبوطة، مسخّرة، تتحرك بأمر الله، وتتوقف عند نهيه، وستفنى منظومتها وستتلاشى كأن لم تكن، في الوقت الذي يريده الله، عندما يحين أجلها المسمى.
هكذا يتجلّى لك الفرق الدقيق والجلي بين الفيزياء التي تؤطر البقاء الوظيفي، وبين المدرسة القرآنية الناظرة إلى البقاء الوجودي.
الأول بقاء في الصورة والشكل، والثاني بقاء في عين الحقيقة، من دون أدنى تنازع بين النظرتين.
ختامًا نقول: مع أن الطاقة لا تفنى داخل الكون، وبسبب أن الكون نفسه ليس واجب الوجود، ترتب على ذلك أن كل ما كان ممكنًا فهو هالك من حيث ذاته، وأنه لا يزال موجودًا قائمًا ما دام مستمرًا بتلقي الفيوضات الوجودية من الله سبحانه.













