نفحات من الزيارة الجامعة
هذه وقفة تأمل في شيء من المعاني الظاهرة لفقرة من الزيارة الجامعة الكبيرة بما يسمح به المقام، فلا نطيل مما يساعد على النشر.
الزيارة وردت عن مولانا الإمام الهادي
، تيمّنًا بالذكرى الأليمة لاستشهاده، ولكوني لست من أهل العلم ولا من أهل هذا الاختصاص، أستميحُ علمائنا الأعزاء وفضلائنا القراء إن كنت قد وردت ماءهم واقتحمت حريمهم واحتطبت في حبالهم، فعليهم التسديد.
تبدأ الزيارة بتثبيت موقعية وخصوصية البيت، كأنها تريد أن تغرس في مفهوم المؤمن أن «أهل بيت النبوة» نسبة للنبي ﷺ نسبًا وقربًا بل وحتى مكانًا، وذلك من خلال استخدام مفردات مكانية «موضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي»، هذا البيت هو محل مجيء ورواح و«مختلف الملائكة». ومع أن الرحمة قد تفرقت على العباد بنسب متفاوتة، ولكن لأنكم رحمة الله العامة والخاصة للعالمين جميعًا، فقد فزتم بالمرتبة الأعلى وهي كونكم «معدن الرحمة».
تأمل مفردة «وخزان العلم» ففيها لفتة إلى أن العلم «نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده»، وأنه مدينة ذات باب «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»، كما لا يخفى عليكم أن لهذا الحديث أصلًا قرآنيًا ﴿فَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: الآية 189]. فبالنتيجة يكتمل المعنى كالتالي، من تجليات علم الله سبحانه ما أفاض به على المدينة المتمثلة في ما احتواه صدر رسول الله ﷺ، وللولوج لتلكم المدينة لا بد أن نطلب العلم من علي سلام الله عليه فهو الباب الوحيد، فإذا ما دخلناها وجدنا أن هناك خزانًا وحفظة ومستودعين لعلم الله وهم أنتم.
ثم تنتقل لوصف الكمال المطلق الذي حازوه صلوات الله عليهم بلا منازع ولا مشابه ولا مقارب لهم في ذلك، حازوه في جميع مناحي كمالات النفس، استخدم الإمام
تعابير عالية المضامين من قبيل «ومنتهى الحلم»، لم يرد الإمام مجرد صفة الحلم بل انتقل إلى منتهاه وأعلى درجاته المتصورة. وإذا كان قد تحدث التاريخ عن الكرم والكرماء فإنكم «أصول الكرم»، الذين أصلتم له وبينتم معناه الحقيقي وحدوده، ومتى يحيد عن الجادة فيستحيل إسرافًا وتبذيرًا مذمومًا.
يشدد الإمام
على مفهوم القيادة الربانية تجسيدًا وتحقيقًا لخلافة الله في الأرض، من خلال الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه غاية صفات الله الكمالية والجلالية فتأهلتم بذلك لأن تكونوا «قادة الأمم» السابقة واللاحقة. بل أنتم قادة على القادة أنفسهم ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: الآية 143]، وهذا وصف مطلق لجميع الأمم من أنبياء ومرسلين، بل إن المعنى لجهة إطلاقه وعموميته وشموليته يتعداه لكل مخلوقات الله من أمم وجماعات وكائنات وعوالم مما لا يُرى ومما لا يتصور، مما عرف ومما لم يعرف، مما خلق ومما لم يخلق بعد، من عوالم الدنيا والآخرة، من جن وملائكة وأرواح وكرسي وعرش ولاهوت وملكوت، أنتم لهم جميعًا قادة وسادة وأولياء ووسطاء فيض ورحمة.
«أولياء النعم» لعلها إشارة إلى حديث الكساء «ما خلقت سماء مبنية إلا في محبة هؤلاء الخمسة»، فكل نعم الله هي لأجل محبتهم وبسببهم وببركاتهم، فهم الأولياء المقصودون في «صراط الذين أنعمت عليهم».
وجعلتهم «عناصر الأبرار» أعمدة الخير في الوجود، و«دعائم الأخيار» أساس كل فضيلة وثبات في الأرض، فكانوا «ساسة العباد» قادةً يهتدي بهم الناس إلى طاعتك، وغدوا بالمجتمع إلى بر الأمان واستقام بهم الدين، وفتحتَ لهم وبهم «أبواب الإيمان»، وفضلتهم بمرتبة عليا من كونهم «أمناء الرحمن» على أسرار دينك وفضائل رسالاتك، وخصصتهم بأن كانوا ولا أحد سواهم «سلالة النبيين»، ورفعتهم إلى منزلة «صفوة المرسلين»، ليكونوا حقًا «عترة رب العالمين». اللهم ثبتنا على ولايتهم وعلى البراءة من أعدائهم.













