آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

المدينة العالمية في الدمام.. لحظة تعيد رسم مستقبل سيهات والقطيف

سامي آل مرزوق *

في خضم التحول التنموي الذي تشهده المنطقة الشرقية، يبرز مشروع المدينة العالمية في الدمام كمنصة جديدة تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي والثقافي والسياحي، وتمتد انعكاساته مباشرة إلى سيهات ومحافظة القطيف، اللتين تقفان اليوم أمام فرصة استثنائية للانتقال من دور الجوار الجغرافي إلى موقع التأثير والشراكة.

لا يقدم المشروع تجربة ترفيهية عابرة، بل فضاء متكامل يجمع ثقافات العالم في أجنحة متنوعة، تتناغم فيها البحيرات الصناعية، المسارح الضخمة، الأسواق العائمة، والمطاعم المبتكرة التي تصنع تجربة جذب عالمية غير مسبوقة. وبين هذا الحضور الكبير، تتقدم الحاجة لطرح السؤال، كيف يمكن للقطيف وسيهات أن تستثمرا هذا الزخم ليكون لهما نصيب حقيقي في صناعته؟

اقتصاديًا، لطالما اعتمدت سيهات والقطيف على الحركة التجارية المحلية والخدمات اليومية، لكن تدفق الزوار إلى المدينة العالمية يفتح اليوم نافذة واسعة لنمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والحرف الأصلية بطريقة عصرية تجذب السائح وتمنح الاقتصاد المحلي دفعة نوعية. إلا أن هذه الفرص لا يمكن أن تنمو وحدها دون تخطيط استراتيجي، وبنية تحتية جاهزة، ووعي مجتمعي قادر على توجيه الاستثمار بذكاء.

أما سياحيًا وثقافيًا، فإن القطيف وسيهات تحملان إرثًا عميقًا يتجلى في السواق التقليدية، الفعاليات الشعبية، والمطبخ المحلي الغني بالنكهات الأصلية، وهي عناصر تمتلك قدرة حقيقية على جذب الزائر إذا ما تم ربطها بالمشروع الجديد عبر مسارات سياحية مدروسة تصنع رحلة تبدأ بالترفيه وتنتهي بالدهشة الثقافية، ليخرج الزائر حاملًا قصة المكان وناقلًا هويته، لا مجرد ذكرى زيارة سريعة.

اجتماعيًا، ستخلق المدينة العالمية حالة جديدة من التفاعل وتوسيع دائرة الاهتمام لدى الشباب والعائلات، لكنها تصنع في المقابل تحديًا لا يقل أهمية عن الفرصة نفسها، وهو تحدي الحفاظ على الهوية المحلية والقيم الاجتماعية وسط تأثير العولمة، عبر تفاعل واع يوظف الانفتاح دون أن يذيب خصوصية المكان.

النجاح الحقيقي لهذا المشروع لن يُقاس بحجم الألعاب أو عدد المسارح، بل بقدرة المجتمع المحلي على تحويل القرب إلى تأثير، والفرصة إلى أثر، والتنمية إلى قصة تحمل بصمة الإنسان هنا، فالمشروع فتح الباب واسعًا، لكن الخطوة التالية هي التي ستحدد من سيكون شريكًا في المستقبل، ومن يبقى متفرجًا عليه؟ والسؤال: وهل ستكون القطيف وسيهات جزءًا فاعلًا في صناعة هذا المستقبل، أم سيكتفيان بمشاهدته؟ الإجابة لا تكمن في المشروع ذاته، بل في الأفكار التي ستُطرح، والخطوات التي ستُتخذ، والجاهزية التي ستتحول بها المنطقة من جوارٍ للمشهد إلى قلبٍ له.

فاللحظة بدأت، والحركة الآن تنطلق من هنا، من سيهات، من القطيف، ومن قدرة الإنسان على صناعة قصته داخل المشاريع الكبرى لا على هامشها.