آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

اللغة العربية في يومها والكاف الدخيلة

عبد الغفور الدبيسي

الثامن عشر من شهر كانون الأول يوم اللغة العربية كما حددته الأمم المتحدة. يكثر في هذه الذكرى السنوية من يندب حظ العربية وحظ أهلها بما نالها من هجران وتراجع في الاستعمال وتدن في الذائقة. وكل ذلك في محله، لكنني سأستفيد من هذه الذكرى لأفتح نافذة نطل منها على بعض همومنا في الاستعمال اليومي للغتنا الجميلة. في مثل هذا اليوم من العام الماضي، أشرت إلى تطبيق عملي يعزز الاهتمام باللغة العربية وهو الاهتمام بقراءة القرآن، مما هو ميسور للجميع ومندوب في الدين وفيه منفعة كبيرة في تقويم اللسان [1] .

اليوم أريد أن أشير إلى اعتلال من كثير من الاعتلالات التي دخلت على استعمال اللغة العربية. قرأت قبل مدة مقالا لأحد المهتمين باللغة العربية يقول فيها نادبا: إن اللغة العربية التي نتكلمها اليوم قد امتلأت بالدخيل من اللغات الأعجمية والغربية على وجه التحديد حتى صارت تشبهها، وزاد فقال إن ما نتكلمه اليوم ليس لغة عربية بل لغة «عرنجية» مركبة من العربية والإفرنجية. وفي هذا الكثير من الصحة. وعندما نتكلم عن الدخيل فلا يقتصر ذلك على الألفاظ التي دخلت باستئذان حينا ودون استئذان كثيرا، وإنما يشمل ذلك الدخيل من التراكيب اللغوية أيضا وهذه أصعب في الاكتشاف، حتى ليظن الكثير من الناس أنها تراكيب عربية فصيحة. دعنا نضيء اليوم على واحد من هذه التراكيب «المترجمة» أي التي وردت إلينا عن طريق الترجمة الحرفية وهو الكاف الدخيلة أو الكاف الاستعمارية. لا تكاد تجد اليوم كتابا يخلو من هذه الكاف. ومثال ذلك: تعيين فلان كوزير للخارجية، أو كعضو في اللجنة الفلانية، أو نحن كمسلمين يجب علينا أن نكون على قدر من المسؤولية، أو أن تقول لأحدهم تصرف كرجل.

وجوهر الاعتراض على هذه الكاف أنها لم تأت على الأغراض التي وردت بها الكاف في الفصيح وأهمها التشبيه والتعليل والتوكيد. وإنما أتت ترجمة من اللاتينية لكلمة AS في الإنجليزية أو Comme في الفرنسية. يقول الهلالي في كتابه تقويم اللسانين «وإنما وقع جهلة المترجمين في هذا الاستعمال الفاسد لضعفهم في اللغتين أو إحداهما، فلا يستطيعون إدراك معنى الجملة مجتمعة ليصوغوا في اللغة الأخرى جملة تؤدي المعنى المطلوب بألفاظ جيدة الاستعمال». إذن الهلالي يحيل استعمالها عن طريق الترجمة إلى العجز. لكنها اليوم ولطول الاستخدام أضحت مألوفة في اللغة «العرنجية» المحكية واللغة المكتوبة، حتى في الكتب الفكرية غير المترجمة التي كتبها عرب أقحاح كالمثالين التاليين:

«فليس بالإمكان أن نفترض اليقين الموضوعي بالقضية الاستقرائية كمصادرة»

«فالإيمان بالله واليوم الآخر إيمان معرفي، وليس إيمانا حضوريا، نشهده كشاهدين ونسلم به كمسلمين»

وقد حاول بعضهم تعريبها وتشريعها في اللغة باسم «كاف الاستقصاء» وقيل إن قرارا صدر بذلك من مجمع اللغة العربية في القاهرة يجيزها والله أعلم. إن السؤال في التعامل مع أمثال هذه الألفاظ والتراكيب الدخيلة هو من أصعب المشكلات التي تواجهها اللغة. وقد حاول البعض معالجة هذا الاستعمال بإضافة بصفة كذا أو باعتباره. فنقول: حضر فلان بصفته وزيرا، أو أنا، بصفتي عضو في اللجنة الفلانية، قررت كذا وكذا، ونحن، باعتبارنا مسلمين، لا يليق بنا فعل كذا وكذا.

لكن السؤال الصعب الذي يقفز إلى الذهن هو ما المانع من إضافة تراكيب جديدة ليست مألوفة في اللغة؟ اللغة كائن حي يتطور والأمم تتواصل وتتبادل الأفكار والألفاظ والعبارات، ونحن اليوم أمة مستهلكة ليس على صعيد الغذاء والحاجات المادية فقط، بل حتى على صعيد الأفكار. الكتب المترجمة والألفاظ المترجمة التي تولد في نواحي الدنيا تدخل علينا يوميا سماعيا أولا وكتابة تاليا قبل أن نستوعب معناها على وجه الدقة. فربما كان قرار المجمع «إن وجد» في قبول استعمال الكاف الدخيلة قرارا صائبا.

وإلى حين تنتظم أمورنا اللغوية في وجود جهة نشطة ومسموعة تنظم دخول الألفاظ والتراكيب الدخيلة وتشرف على عملية الترجمة العشوائية الحالية وتجيب عن السؤال الصعب: أي منها نقبل وأي منها نرفض، يجدر بنا أن نتعلم الابتعاد عن الكاف الدخيلة قدر ما أمكننا.

فنقول: عين فلان وزيرا، وتصرف تصرف الرجال، ونحن المسلمين يجب علينا كذا وكذا... ففي التراكيب اللغوية الفصيحة مندوحة تغنينا في أغلب الأحيان.

وكل عام والعربية بخير.