آخر تحديث: 10 / 1 / 2026م - 10:26 م

من حديد إلى ذهب

حسين مكي المحروس

أتذكر عندما كنت في ابتدائية زين العابدين (سلام الله عليه) في الدبابية، على جانب الطريق كنت أسمع صوت الحدادين في أطراف سوق مياس، وهم يطرقون الحديد ويُشكِّلونه تحت وطأة الحرارة والطرق حتى الاحمرار. طبعًا لا يخفى عليكم أنَّ الحديد من أقسى المعادن وأصلبها وأشدها بأسًا ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: 25]، وهذه ميزة تُحسب له، وبذلك ترفع باقي المعادن قبعتها له، إلا أن الضعف يعتريه ويهز كيانه وينخر جسده، ويا للغرابة، من ماذا؟ تصور! بسبب فقاعة صغيرة ضعيفة في ظاهرها، فقاعة مملوءة بالغاز، فيستحيل منهارًا متفتتًا أمام فقاعة من ثلاثة مصادر مختلفة.

سنتحدث اليوم عن الصدأ، وبالتركيز على ”الحماية الكاثودية“ التي تقي المعدن وتحميه من سرطان الصدأ، وتطيل في عمره وتؤجل موته وفناءه.

خذ مثالًا، هذا الأنبوب الحديدي المدفون في باطن الأرض، نعم إنه ساكن، هادئ، كالميت الذي لا حراك فيه. مهلا! ارجع البصر، فتراه ينطوي على حياة خفية ملؤها الطاقة والصراع من أجل البقاء، يشق طريقه في التكامل والوظيفة التي خلقه الله سبحانه وتعالى من أجلها. لذا فها هو يسعى كبقية الخلائق للعيش ضمن أبسط صورة من التعادل الكوني الذي يتناسب وكونه حديدًا. بمعنى آخر، هو لم يوجد على شكل حديد صافٍ نقي، بل تكون في قشرة الأرض على شكل مركب يحتوي فيما يحتوي على الحديد كعنصر ضمن المادة الخام (هيماتايت ومجناتايت). وبسبب حاجة الإنسان للآلة القاسية، أفاض الله سبحانه عليه طرق الاستخلاص بإعمال طاقة الحرارة والصهر، مما وضع الحديد النقي في موقف حرج من مستوى عالٍ لا يتناسب ووجوده وكينونته. هذا فرض على الحديد وضعًا جديدًا وأجبره على السعي في خسارة تلكم الطاقة الإنسانية الوضعية الطارئة المخزونة فيه جراء عملية التنقية والاستخلاص، لذلك فهو عفويًا وبسذاجة اللاوعي والفطرة المغروزين فيه يسعى حثيثًا لخسارة هاتيكُم الطاقة من خلال الصدأ. بلهجة عامية، الحديد يصدأ لأنه يسعى للعودة لطبيعته كمادة خام.

حسنًا، فهمنا لماذا لابد للحديد أن يصدأ، ولكن عفوًا، ما هي قصة الفقاعات الثلاث، وما هو وجه الربط برحلة الحديد الصدئية هذه؟

الفقاعة الأولى

حتى يصدأ الحديد يحتاج إلى عوامل مساعدة، من ضمنها تواجد الأكسجين على السطح، فكما أن النار تحتاج للهواء للاستمرار، كذلك صدأ الحديد بحاجة للأكسجين المذاب في الماء كضرورة لديمومة عملية عكس الاستقطاب عند الكاثود (cathodic depolarization). لا نرى ثمة حاجة ماسة للشرح العلمي المطول لندرك المطلب، فنحن نرى بأمِّ أعيننا وجدانيًا كيف أن الحديد يصدأ بمجرد تعرضه للرطوبة والهواء.

الفقاعة الثانية

الآن لننفذ إلى داخل الأنبوب المحتوي على سائل يجري تحت ضغط وسرعة عاليتين، فبسبب حركة الموائع، ربما ينحبس من ضمن مكوناتها بعض الفقاعات الصغيرة المضغوطة. هذه الفقاعات سوف تنفجر لاحقًا على السطح الداخلي للأنبوب. تخيل معي، فقاعة مليمترية ما عساها أن تؤثر لو انفجرت؟ إنها الدمار الشامل بعينه! آلاف الفقاعات المضغوطة ضمن السائل المحصور أصلًا تنفجر في ذلك الجسد الحديدي المنهك بسبب الحرارة والضغط والاحتكاك والاهتزاز، شيئًا فشيئًا تساعد تلكم الفقاعات على تآكل وتصدع وذوبان وتعرية الأنبوب من الداخل، أضف إلى ذلك سرعة التآكل الكهروكيميائي (erosion corrosion) داخليًا وخارجيًا على سطح ذات الأنبوب المسكين المنهك، لينتهي الصراع باستسلام الأنبوب وتسريب السوائل للخارج.

الفقاعة الثالثة

هذه المرة نود أن نعرف كيف أن فقاعة حسنة النية وطيبة المقصد قد أخطأت الهدف، كما روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه (ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه). هذه الفقاعة الطيبة تتكون خارج الأنبوب، ولكن هذه المرة كونها سفيرة النيات الحسنة، كفقاعة ”الحماية الكاثودية“. دعني أوضح بأن الحماية الكاثودية هي عملية عكسية ومضادة للصدأ، من خلال استخدام الكهرباء في حماية الحديد من الصدأ. ستوب! أنت قد قلت للتو إن الحديد لابد أن يصدأ، ثم ما لبثت تعاود لتقول مجددًا إنه يمكن إيقاف الصدأ؟ ما هذا؟

نعم، نحن الكهروكيميائيين تعلمنا أن ”نحوِّل الحديد إلى حديد لا يصدأ كالذهب“، فلا يصدأ الحديد بين أيدينا. ولكن كيف؟ نسلط مقدارًا من التيار الكهربائي على الحديد فنحرفه عن طبيعته ورغبته وسعيه للصدأ، وذلك بجعل العملية الصدئية تحدث ولكن بـ ”تحكم“ وهندسة من قبلنا تجعلها تتمحور في إطار مدروس وفي جسم معين نسميه ”الحامي“، والذي نقوم باستبداله كل 20 سنة تقريبًا.

قارئنا العزيز يتساءل، فما بال الفقاعة الطيبة، وما هو وجه الطيبة فيها؟ للحماية الكاثودية الفعالة مستوى معين، كالدواء لو زاد لانقلب سمًا زعافًا. عدم الموازنة في الحماية ينتج فقاعات من الهيدروجين على سطح الأنبوب أكثر من الحد المطلوب، وبعضها قد يتسلل خلسة إلى داخل جسم الحديد، وهناك يتحول من أيون إلى عنصر، وأخيرًا إلى غاز الهيدروجين الذي بدوره يضغط على ذرات الحديد، مما يسبب ضعفًا وفتق الأنبوب الحديدي.

وكذلك نحن البشر تتحكم فينا فقاعات ثلاث: الأنا، والشهرة، والمال. من هنا نحتاج إلى الحماية الدينية المستمرة لمقاومة تلك الفقاعات والتغلب عليها وصيانة النفس من شرورها ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69].

تقنية تحويل الحديد إلى حديد كالذهب لا يصدأ بالعلم والمعرفة، بعيدًا عن السحر والخرافة، تتطلب منا وقفة جادة لتحويل فقاعاتنا النفسية إلى واقع من التواضع، بعيدًا عن الغرور والتكبر والأنا.