العلم والتجربة والتقوى: ثلاثية النهوض الحضاري
الإنسان بطبيعته كائن باحث عن الحقيقة، مشغوف بالمعرفة، متطلع إلى بلوغ الحكمة. وقد أوجزت الحكمة العربية هذه الحقيقة في كلمات عميقة:
”العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف التقوى، والقنوع راحة الأبدان، ومن أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.“ [1]
هذه المقولة والكلمات للإمام الحسين ليست مجرد مقولة أو كلمات عابرة، بل هي منظومة فكرية متكاملة، يمكن إسقاطها على شتى مجالات الحياة، من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، ومن الفرد إلى المجتمع، ومن الفكر إلى العمل.
العلم هو المنهج الذي يمنح المعرفة قوتها وحقيقتها، فالمعرفة بدون علمٍ قد تضلل وتُفسد، بينما يُكسبها العلم الدقة والوضوح. العلم ليس مجرد معلومات تُحفظ أو مفاهيم تُدرَك، بل هو نور يهدي العقول ويقود الإنسان إلى فهمٍ أعمق للحياة.
وقد عبّر الإمام علي عن مكانة العلم بقوله:
”العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق.“ [2]
بهذا القول، يُرسّخ الإمام علي حقيقةً عميقة: العلم كنزٌ يزداد كلما أُنفِق، بينما المال ينقص مع الإنفاق. فطالب العلم يُغني عقله ويُنوّر بصيرته، حتى يصبح علمه له درعًا واقيًا يحفظه من التيه والانحراف.
ولا يخفى أن الوصول إلى تلك الدرجة الرفيعة من العلم يتطلب جهدًا عظيماً وصبراً طويلاً. لهذا قال الإمام جعفر الصادق :
”لوددت أن أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا.“ [3]
إن هذه الكلمات الجريئة تعبّر عن أهمية التفقه والاجتهاد في العلم، حتى لو استلزم ذلك تحمل المشقة والضيق. فالتفقه ليس مجرد معرفة سطحية، بل هو الغوص في أعماق الحقائق وفهم دقائق الأمور.
التجربة هي المعلم الذي لا يكذب. فالنظريات والأفكار، مهما بلغت من دقة، تبقى ناقصة ما لم تختبرها التجربة.
”العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه.“ [4]
الحكمة ليست في أن يحفظ الإنسان كل ما يمر به، بل أن يختار الأهم، ويُميز بين ما ينفعه وما لا يجدي.
التجربة كانت ولا تزال حجر الأساس في بناء الحضارات. فقد اعتمد العلماء والمفكرون في الماضي على التجربة كأداة لتطوير أفكارهم، مثل تجارب ابن الهيثم في البصريات، وتجارب جابر بن حيان في الكيمياء. وفي الحاضر أصبحت التجربة نهجًا أساسيًا في تطوير الصناعات، واختبار النظريات العلمية، وتحليل السلوكيات الاجتماعية.
التقوى ليست مجرد فضيلة فردية، بل هي ميزانٌ أخلاقي يضبط حركة المجتمع. فالتقوى تجعل الإنسان يختار الصواب في كل موقف، وتجعل العلم خادمًا للإنسانية بدل أن يكون أداةً للشر والدمار.
وقد حذّر الإمام علي من العلم المنفصل عن التقوى بقوله:
”لا خير في صمتٍ عن حُكم، كما أنه لا خير في قولٍ بجهل.“ [5]
فالتقوى هي التي تجعل الإنسان عادلًا في قوله وعمله، وتصونه من الوقوع في مزالق الهوى والفساد.
القناعة لا تعني الخمول أو الرضا بالقليل، بل تعني الحكمة في إدارة الطموح، بحيث لا يتجاوز الإنسان قدراته ولا يلهث خلف ما يستنزف روحه.
”الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة.“ [6]
القناعة هي مفتاح الطمأنينة وراحة البال، فهي تُحرر الإنسان من قلق السعي المحموم خلف ما لا يُدرك، وتمنحه التوازن في حياته.
العلاقات الإنسانية تُبنى على الصدق والإخلاص، وأصدق المحبة هي تلك التي تدفع صاحبها للنصح والإرشاد. فالمحب الحقيقي يخشى على محبوبه الوقوع في الخطأ، فينهاه عمّا يضره، كما قال أمير المؤمنين :
”من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.“ [7]
هذه الحكمة تكشف جوهر العلاقات الإنسانية، حيث يُظهر لك المحبّ ما يُصلحك، بينما قد يدفعك المبغض إلى الهلاك.
إن هذه المنظومة الفكرية ليست مجرد كلماتٍ تُتلى أو عبارات تقال فقط، بل هي خارطة طريق تُنير درب الأفراد والمجتمعات. فبالعلم تزدهر المعرفة، وبالتجربة تنضج العقول، وبالتقوى يسمو الشرف، وبالقناعة تهدأ الأرواح، وبالنصيحة تُرشد الخطى نحو الطريق السليم.
إن الجمع بين هذه القيم هو ما يصنع الإنسان المتوازن، ويُنتج مجتمعًا ناهضًا يملك من القوة ما يكفي للريادة والتميز. فمن أراد أن يُحلق في سماء المعرفة، فليجعل قلبه متعطشًا للعلم، وعقله مشبعًا بالحكمة، وروحه مزينةً بالتقوى.
إنه لمن أراد العُلا، فليتأهب للسير في طريق العلم مهما كانت الصعاب، وليعلم أن أعظم الكنوز هي تلك التي تزداد كلما أُنفِقت — كنز العلم والمعرفة.