آخر تحديث: 31 / 3 / 2025م - 11:28 م

يقينٌ بين العقل والقلب: قراءة معرفية في ضوء الشرع والأخلاق

عماد آل عبيدان

عبر العصور، ظل الإنسان يطلب المعرفة، يسعى للحكمة، ويجتهد في بلوغ اليقين. وبين ما يعتمل في عقله من أفكار، وما ينبض به قلبه من مشاعر، ظل السؤال قائمًا: كيف يصل الإنسان إلى حالة من التوازن بين الإدراك العقلي، والإيمان القلبي، والاستدلال الشرعي، والأخلاق السلوكية؟

إننا اليوم، في عصرٍ تتسارع فيه التغيرات وتتبدل فيه المفاهيم، بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة العلاقة بين المعرفة، والإيمان، واليقين وفق أسس عميقة تستند إلى القرآن الكريم، وتراعي تطور الفكر الإنساني المعاصر.

أولًا: المعرفة بين القلب والعقل

المعرفة تُبنى على أُسس عقلية تتطلب التفكير والتأمل، غير أن العقل وحده لا يكتمل بمعرفته إلا حين يتصل بالقلب اتصالاً متينًا. فالقلب هو منبع الإحساس، ومحطة الإلهام، ومصدر السكينة التي تهذب الفكر وتوجهه.

القرآن الكريم يضع هذه الثنائية في إطار متين؛ فبينما يخاطب العقل بالحجة والمنطق:

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الروم: آية 8].

فإنه يُوجه القلب نحو التأمل العاطفي والوجداني:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق?: آية 37] .

فالإنسان الذي يعقل ويدرك بعقله، ويُحس ويتذوق بقلبه، هو الذي يستطيع أن يحقق يقينًا راسخًا يجمع بين المعرفة العقلية والإيمان القلبي.

ثانيًا: الإيمان واليقين في ضوء الشرع والأخلاق

الإيمان ليس مجرد اعتقاد نظري، بل هو حالة وجودية تتجاوز المعرفة الظاهرية إلى اليقين العميق. إن اليقين هو الذروة التي يبلغها الإيمان حين يتصل بالعقل المدرك والقلب المستبصر.

وقد أشار القرآن الكريم إلى مراتب اليقين ببلاغة رائعة:

• علم اليقين: إدراك عقلي نظري للأمور.

• عين اليقين: رؤية بصرية أو تجربة حسية تُثبت صحة المعرفة.

• حق اليقين: اندماج المعرفة النظرية مع التجربة العملية بحيث تصبح جزءًا لا يتجزأ من الوعي الإنساني.

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ «5» لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ «6» ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ «7» ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: آية 5-8].

ومن هنا فإن الإنسان لا يحقق يقينه إلا حين يعيش المعرفة في وجدانه، ويرى أثرها في واقعه، ويُسخّرها في بناء أخلاقه وسلوكه.

ثالثًا: التغير الإنساني عبر العصور وتأثيره على اليقين

عبر التاريخ، تتغير أحوال الإنسان، ويشهد العقل تطورًا متسارعًا، ومع هذا التغير يتعرض اليقين للاهتزاز ما لم يكن مستندًا إلى أسس ثابتة.

إن القرآن الكريم يوضح بجلاء كيف واجهت الأمم السابقة هذه التغيرات، فحين زادت مظاهر الترف والغرور في بعض المجتمعات، ابتعد الإنسان عن يقينه، وحين ضاقت السبل على أقوام آخرين عادوا إلى الله بيقين أعظم.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: آية 112].

هنا يظهر أن اليقين الذي يستند إلى التسليم للحقائق الإلهية هو اليقين الذي يصمد أمام التحولات والتغيرات.

رابعًا: الاستدلال والتفكير في ضوء المفهوم الحديث

في عصرنا الحاضر، حيث تتسارع العلوم وتتغير المفاهيم، تبرز الحاجة إلى استدلال معرفي يدمج بين الفكر التقليدي والمعرفة الحديثة.

العقل المعاصر لا يكتفي بالمسلّمات وحدها، بل يبحث عن أدلة منطقية وعلمية تُثبت يقينه. وهنا يأتي دور القرآن الكريم الذي يدعو إلى التفكر والتأمل:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: آية 21].

فالمعرفة الحديثة، إذ تُبنى على التجربة العلمية، يجب أن تتكامل مع المعرفة الروحية والأخلاقية لضمان توازن الإنسان واستقراره النفسي والاجتماعي.

خامسًا: كيف يتعامل الإنسان مع تغيراته النفسية والاجتماعية؟

الإنسان كائن متغير، يمر بمراحل من الشك واليقين، والخوف والطمأنينة. ولكي يحقق التوازن في شخصيته، عليه أن يجمع بين:

• الوعي بالذات: فهم عميق لمشاعره وأفكاره ودوافعه.

• الإدراك الاجتماعي: استيعاب طبيعة المجتمع والتكيف معه.

• التوازن الروحي: السعي إلى السكينة القلبية من خلال العبادات والأذكار والتأمل.

القرآن الكريم يُرشد إلى هذا التوازن في قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: آية 28].

لذا

فإن بلوغ اليقين في عصر تتكاثر فيه التساؤلات يتطلب عقلًا مفكرًا، وقلبًا متأملًا، وروحًا مؤمنة، وأخلاقًا راقية. حين تتكامل هذه العناصر في الإنسان، تتحقق حالة فريدة من الوعي المتوازن، حيث تصبح المعرفة وسيلة للهداية، والإيمان مصدرًا للطمأنينة، واليقين منارةً تضيء دروب الحياة.

فالإنسان الذي يدمج بين عقلٍ يتدبر، وقلبٍ يستنير، وشرعٍ يهدي، هو الإنسان الذي يُبصر الحقيقة في أعمق معانيها، ويتجاوز العثرات بسلام، ويقف شامخًا في وجه التغيرات بثباتٍ ويقين.