آخر تحديث: 1 / 4 / 2025م - 1:17 ص

تراث الأحسائيين الرمضاني

شكل تراث الإنسان الأحسائي إرثًا تاريخيًا يزخر بعادات وتقاليد عابقة بالمعاني، خصوصًا في شهر رمضان، فالأحساء تتحلى بتراث ثري بحسه الإنساني وتراث الأحسائيين في شهر رمضان له سمات باقية حتى اليوم، وما يزال الكثير منه يتجدد رغم السنوات الطويلة، ما يدل على تمسك الإنسان الأحسائي بتراثه الأصيل.

وتضمن التراث الأحسائي ما عرف بيوم قريش وهو آخر يوم من شعبان في الأحساء يجتمع شمل العائلة الكبيرة معًا في اليوم الأخير أو الليلة الأخيرة على الوجبة الأخيرة التي تسبق اليوم الأول من شهر رمضان، وهي الوجبة التي تكون بمثابة الوداع لشهر شعبان وتهيئة لأجواء الألفة والمحبة التي ترافق الشهر الكريم، وتسمى هذه الوجبة قرش أو قريش، وهي عادة وتسمية متداولة في العديد من مناطق الخليج، وقد اختلف الباحثون عن أصل التسمية، فيرى بعضهم أنها وصف لما تقوم به نساء الحي في آخر أيام شعبان من إحضار كل منهن لطبق، ثم يجلسن معًا، ويتناولن الطعام مع أطفالهن، وهي عادة يقال إنها متداولة بهذا الشكل قديمًا في سيهات والهفوف وبعض المناطق الأحسائية الأخرى، في حين يروي الباحث والمؤرخ عبدالله الشايب في كتابه «مقالات من تراث الأحساء» أن أهل القطيف اعتادوا قديمًا أن يجمع كل فرد من المجموعة قرشًا أو أكثر، ويشترون بالمبلغ المجموع طعامًا تقوم النساء بتجهيزه وإعداده، ويجتمع شمل الأسرة الكبيرة برجالها ونسائها وأطفالها لتناول الوجبة الأخيرة في شهر شعبان معًا كشكل من أشكال الألفة التي يتم من خلالها توديع شعبان واستقبال رمضان بطريقة جماعية.

وفي الزمن الماضي يستهل أهالي الأحساء أيام رمضان ولياليه بترتيل القرآن الكريم، فمن التقاليد الشعبية قيام بعض الأسر الأحسائية بعادات تلاوات القرآن الكريم في منازلهم ليلًا حيث يجتمع أهالي الحي لسماع التلاوات، ويسميها الأهالي عادة آل فلان، ويصطحب الكبار أطفالهم معهم من أجل تعليمهم القرآن، وفي نهاية الشهر المبارك يقام حفل ختم القرآن، ويهتم الأحسائيون بحديثي العمر من خلال تشجيعهم على قراءة بعض أجزاء القرآن، وما يزال الأحسائيون يتوارثون هذه العادات إلى وقتنا الحالي، ويهتمون بتعليم صغارهم الصوم قبل بلوغ سن التكليف.

وأحد أهم الموروثات والعادات الأحسائية الرمضانية عادة التزاور بين الأهالي في الأحساء، فمع بداية الشهر يفتح الأعيان والوجهاء وكبار السن مجالسهم في البيوت لاستقبال المهنئين بقدوم الشهر الكريم، ويتم تبادل الزيارات والتبريكات بينهم.

ومن العادات الاجتماعية القديمة والأصيلة التي تميز بها الأحسائيون طوال الشهر الكريم ظهور تبادل الأطباق والأطعمة الرمضانية بين العائلات والأسر والجيران، وهي من العادات التي يحتفظ بها الأهالي، ويعتبرونها جزءًا وتقليدًا من حياتهم الاجتماعية، الداعمة للتكافل الاجتماعي، ويتم توزيع هذه الأطباق قبل أذان المغرب، وتطور هذا التقليد الشعبي التراثي في مدن الأحساء وقراها، وتحول لظاهرة الإفطار الجماعي، وفيه يتكفل كل شخص بإعداد طبق واحد أو أكثر، ويجتمع الكل على مأدبة الإفطار في بهجة أجواء رمضان المبارك.

ويعد ارتياد عيون الأحساء المائية الباردة من التراث والآثار القديمة المندثرة في أيام رمضان ولا سيما في أجواء الصيف الملتهبة بالحرارة، فهي ملاذ ومتنفس، وكان لها أثر في إضفاء أجواء من الاستجمام في نهار رمضان القائظة، حيث كان العديد من الرجال والأطفال ينتعشون بمياه العيون الباردة، ومن أشهر هذه العيون برابر، وعين أم خنور في بني معن وعين أم الليف، وعين أم الخيس، وعين علي وعين بني نحو.

وتضمنت مظاهر التراث الشعبي للأحسائيين في شهر رمضان المبارك الاحتفال في يوم النصف من الشهر، ويسمى ”القرقيعان“ التي ما تزال باقية لليوم، وهو احتفال يشارك فيه الأولاد والبنات الصغار بصحبة الأسر معًا حيث يمرون على المنازل، وينشد الأطفال أهزوجتهم «قرقع قرقع قرقيعان» ويحصلون على الحب و«النخج» والحلويات والزردة. ويرى باحثون أن ’’القرقيعان’’ سمي بذلك لأنه كان في الماضي عبارة عن سلة كبيرة مصنوعة من سعف النخيل، تسمع فيها قرقعة الحلويات والنخج، ويقال إنها مأخوذة من قرع الأطفال للأبواب، مرتدين الملابس والأزياء التقليدية حاملين بأيديهم الأكياس لجمع الحلويات.

وينشط في مناسبة القرقيعان سوق القيصرية التاريخي، ويعد من أقدم الأسواق في الأحساء، حيث يضم حوالي 420 محلًا تجاريًا، ويرتاده الأهالي للتبضع وشراء المكسرات والحلويات، والملابس الرجالية وملابس الأطفال ومستلزمات القرقيعان، وتتحول حياة الأحسائي في الأجواء الرمضانية إلى يوميات نشطة من الحركة، لشراء جميع المستلزمات الرمضانية المختلفة، و’’سوق القيصرية’’ بتصميمه المعماري الفريد وطرازه التراثي العثماني وأروقته المزخرفة والطويلة ما يزال يجذب قلوب الأحسائيين، فعبق الماضي لهذا الطراز المعماري وحلته القديمة تعكس تراثًا غنيًا بالتقاليد المتوارثة بين الأجيال.

ومن الموروثات الشعبية المتوارثة في رمضان، التي لا يزال يحتفظ بها الأحسائيون ’’أبو طبيلة’’ «المسحراتي» ومسيره بين الأحياء والأزقة، وضربه للطبل مرددًا الأهازيج الجميلة ليصل صوته لإيقاظ النائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، وهذه العادات تعد من التراث الذي تناقل جيلًا بعد جيل. ومهنة المسحراتي من المهن الموروثة والشعبية التي ارتبطت منذ القدم بتراث الأحساء، وتتضمن الأهازيج التي يردّدها المسحراتي الذي يعرف بـ ”أبو طبيلة“ وسط مشاركة وترديد الأهالي والأطفال عبارات منها ”لا إله إلا الله محمد رسول الله“ و”أصحى يا نايم وحّد الدايم“، و”السحور يا عباد الله“.

وتشتهر الأحساء بعادة تسمى ”الغبقة“ الرمضانية، وهي عبارة عن تجمع عائلي أو اجتماعي، يتم خلاله تناول وجبة بين وجبتي الإفطار والسحور، وتضم أنواعًا متعددة من المأكولات الشعبية وتمتد لقاءات ”الغبقة“ إلى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل، وتسرد فيها القصص والحكايات الطريفة وطرح الألغاز والمسابقات الشعبية وتتحول ”غبقة رمضان“ إلى مناسبة اجتماعية تجمع الأهل والأصدقاء في أجواء روحانية جميلة وهي تقليد قديم في المجتمعات الخليجية، وتحديدًا في المنطقة الشرقية.

ومن تراث الأحساء الرمضاني ”مدفع الإفطار“ وإطلاق المدافع كان في السابق لإعلام الأهالي بموعد الإفطار والسحور والإمساك، وثبوت دخول الشهر الكريم وحلول عيد الفطر. ويشار إلى أنه قد أطلق ثلاثة آلاف قذيفة نارية أطلقها شيخ المدافع الرمضانية الملقب بـ ”سرهيد“ خلال عشر سنوات في الأحساء بمعدل 9 قذائف يوميًا في رمضان الأحساء، وهذه القذائف موزعة يوميًا على ثلاث قذائف عند الإفطار، وثلاث أخرى عند الإمساك، وثلاث أخرى عند السحور في تمام الساعة الثانية عشرة من بعد منتصف الليل، وذلك بواقع تسع قذائف يوميًا لـ 30 يومًا، إضافة إلى سبع قذائف ليلة إعلان دخول شهر رمضان، وسبع قذائف أخرى فجر يوم العيد، وفي بعض السنوات تطلق يوم العيد بقية القذائف المتوافرة.

ويقع ”مدفع رمضان“ على مرتفعات جبل الطوب في حي الفاضلية الشعبي وسط مدينة الهفوف بجوار سوق القيصرية البديل لسوق الخضار والفواكه سابقًا في مدينة الهفوف، وسمي بـ الطوب اشتقاقًا من تسمية صوت دوي المدفع باللهجة المحلية، ويعد هذا المدفع الرمضاني الأكثر شهرة في مدن وقرى الأحساء، إذ توجد مدافع أخرى في بعض مدن وقرى الأحساء إلا أنها أقل شهرة.

ويذكر أن في سالف الأيام الماضية اعتاد الأهالي في حي الكوت وسط الأحساء على سماع صوت المؤذن سليمان الدخيل حينما يعتلي مئذنة مسجد القبة في قصر إبراهيم، بعد إطلاق المدافع حال تلقيهم إشارة الدخيل عن طريق راية يرفعها أثناء وقوفهم على تلة مرتفعة في الجهة الشرقية بالقرب من سوق الخميس القديم، فيتبعه باقي المؤذنين في مساجد الحي والأحياء المجاورة، وهذه المظاهر تلاشت مع التقدم والتطور الحضري.

ومن موروثات الأحسائيين في آخر أيام رمضان اعتيادهم منذ عشرات السنوات على إحياء ليالي رمضان ”ليالي القدر“ والتهجد والاعتكاف في المساجد وتوديع رمضان بالدعوات المأثورة، ويولي الأهالي أيام شهر رمضان الروحانية ونفحاته الإيمانية اهتمامًا بالغًا لنيل الرحمة والرضوان من الله والفوز بمواهبه الكريمة. ويتمسك الأحسائيين بهذه الموروثات الرمضانية التي يحتفظون بها وينقلونها إلى أجيالهم المعاصرة.

ونشير في تتمة هذا المقال بأن من خلال البحث عن تراث رمضان القديم في الأحساء تبين بأن ساحة الأحساء الثقافية تخلو من الكتب التراثية التي توثق تراث رمضان في الأحساء قديمًا.

وقلما نجد كتابات تراثية مؤلفه في هذا المضمار، ومنها ما تناوله الشيخ محمد الحرز عن النشاط العلمي الأحسائي في شهر رمضان المبارك من القرن التاسع إلى الحادي عشر الهجري نسخ الكتب نموذجًا.