آخر تحديث: 1 / 4 / 2025م - 1:17 ص

السَّائقُ الهِندِي علَّمني سِياقة السِّيَّارَة

عقيل المسكين *

المسك:

- أيّها «الرّوائياتي» سأتحدث معك اليوم عن ذكرياتي في تعلّم سِياقة السيارة أيام صباي بالمرحلة المتوسطة، وهي ذكريات جميلة بالنسبة لي، وطريفة في الآنِ ذاته.

الروائياتي:

- ادلِ ما بدلوِك في هذا المضمار.

المسك:

- ذكريات تعلّم قيادة السيارة عند الأولاد والشباب من الذكريات الجميلة التي لا تُنسى، وهي ذكريات تحمل بعض الطرافة عادةً، ويستعيدونها لأولادهم وبناتهم وأصدقائهم عندما يكبرون، وكأن لهذه الحالة نوعًا من الخصوصية في التعامل مع هذه الوسيلة الحديثة للمواصلات، وقد كنت شغوفاً بتعلم سياقة السيارة عندما كنت في المرحلة المتوسطة، واستعنتُ بسائق المؤسسة الصناعية التي لدى والدي واسمه حيدر وكنا نطلق عليه «حيدر الهندي»، لأنه من إحدى بلدان الهند، وكان مسؤولاً عن سياقة السيارة الديانا البيضاء والتي كان يسميها والدي «الناقة» لطولها، فعندما كان السائق يوصل العمال إلى أماكن عملهم كنت أذهب معه حيث يركب جميع العمال بالخلف حيث الصندوق المسقوف، وأنا كنت معه على الكرسي الأمامي للسيارة، وكنت أشاهده وهو يمارس قيادة السيارة فألاحظ حركات قدميه، وطريقة تعشيقه لـ ”القير“ لتغيير السرعات من الأول حتى الرابع، وإذا توقف ألاحظه كيف يغير ”القير“ للاتجاه الخلفي وأنتبه له وهو ينظر من المرآة الأمامية للخلف أو ينظر للمرآتين الجانبيتين حتى يوازن تعديل سيره للخلف أو للوقوف، وكذلك كنت ألاحظه وهو يقود السيارة عند عودتنا بعد توصيل العمال، حتى يصل إلى مقر المؤسسة الصناعية خلف مقبرة سيهات من الجهة الشمالية، وهناك أنزل معه وأبقى أنا مع والدي وبعض العاملين في أقسام المؤسسة من حدادين وفنيي الألمنيوم والنجارين، بينما يكلفه والدي لمهام عمل مختلفة أخرى.

وفي أيام أخرى كان يبقى في مواقع العمل حيث البيوت الجديدة التي يعمل فيها عمال المؤسسة بقسم المقاولات، كان السائق يضطر للبقاء مع العمال بعض الوقت، ففي هذه الأويقات التي يضطر فيها انتظار العمال لنقلهم إلى مقر المؤسسة الصناعية أو نقلهم إلى موقع آخر، كان يقوم بتدريبي على سياقة السيارة الديانا في طرقات تلك الأحياء الجديدة، وغالباً تكون تلك الطرقات غير مزدحمة وهي شبه فارغة لأنها تكون بعيدة عن مركز مدينة سيهات، لكونها من الأحياء الجديدة وللتوّ قد انطلقت في البناء في بعض قطع الأراضي بتلك المخططات، وتكررت عملية تعليمي قيادة السيارة من السائق ”حيدر الهندي“، وكان يحذرني من أن أخبر والدي أنه كان يعلمني سياقة السيارة وأنا لا زلت طالباً لم أكمل الكفاءة المتوسطة بعد، وكنت أنا أيضًا أحذّره من أن يخبر والدي فلا طاقة لي على حزامهِ أو عصاته أو صفعات يده، كما لا طاقة لي على غضبه وصُراخه في وجهي إذا علم بذلك، إلا أنني كنت أشعر بالكثير من المتعة والدهشة أثناء تعلّمي سياقة السيارة على يَدَي هذا السائق، وبدأت أتحسن في إتقان قوانين السياقة وضوابطها شيئاً فشيئاً حتى أتقنتها واطمأن لي السائق حيدر وبَصَمَ لي عشرة على عشرة - كما يقولون - لأنني نجحت بجدارة.

الروائياتي:

- جميل جداً ما ذكرته هذا في مرحلة تعلّمك الأوليّ لسياقة السيارة، والعجيب أنك لا زلت تحتفظ بهذه الذكريات حتى الآن وأنت تكاد أن تنهي عقدك السادس، ومن اللطيف أنك جعلت هذه الصفحات من سيرتك الذاتية ضمن أدبياتك التي تنشرها بين الناس، لأن تعلّم قيادة السيارة يمثل لحظة انتقالية مهمة في حياة العديد من الأشخاص، - ومنهم أنت بالطبع -، ولهذا السبب تظهر هذه الذكريات في الأدب بشكل بارز، حيث يتم توثيق التجارب والمشاعر المرتبطة بها بطرق متنوعة، وفي الأدب العربي الكثير من هذه اللقطات لدى الأدباء أنفسهم وهم يكتبون عنها في كتبهم أو لدى مختلف الشخوص في قصص وروايات القصاصين والروائيين على مر التاريخ، ولدى هؤلاء الشخوص الكثير من المواقف ويكون للسيارات وسياقتها الدور الأكبر في تفاصيل هذه القصص والروايات، فعلى سبيل المثال نقرأ في رواية ”رجال في الشمس“ لغسان كنفاني كيف أن السيارة أصبحت وسيلة هروب وتحقيق الأحلام، حيث يسعى الأبطال للهروب من واقعهم المرير والبحث عن مستقبل أفضل، وتتناول هذه الرواية شعور الأمل والحرية المرتبط بقيادة السيارة، رغم النهاية المأساوية، وكذلك نقرأ لغسان كنفاني رواية ”عائد إلى حيفا“ حيث تتضمن رحلة برية يعود فيها الأب إلى حيفا، ويستعيد ذكرياته مع ابنه وتفاصيل حياتهم السابقة، تعتبر الرحلة بالسيارة هنا جزءًا من استرجاع الهوية والذكريات، وأنت كذلك أيها «المسك» تستذكر بدايات تعلمك لقيادة السيارة وتربط ذلك بالأمل بحياة جديدة وانتقالة من مرحلة الطفولة ثم المراهقة إلى مرحلة الشباب، وفي الأدب العربي أمثلة كثيرة في هذا المضمار، أما في الأدب الأجنبي فنقرأ ”On the Road“ لجاك كيرواك، وفي هذه الرواية الكلاسيكية، تُعَدّ السيارة رمزًا للحرية والاستكشاف، حيث يتجول الأبطال عبر الولايات المتحدة، مستكشفين الحياة ومتعلمين عن أنفسهم وعن الآخرين. وتُعبّر هذه الرواية عن الروح المغامرة والشعور بالإثارة المصاحب للقيادة والاكتشاف، وأنت كذلك أيها «المسك» كانت سياقة السيارة بالنسبة لك بداية دخول مرحلة استكشاف الذات والآخرين والعالم من حولك، وعلى أقل تقدير المدينة التي تسكنها سيهات وما يحيط بها من مدن وقرى في المنطقة الشرقية، وأظنك خرجت خارج المنطقة بالسيارة فيما بعد، كالرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة وغيرها، ومن الأمثلة الجميلة في الأدب العالمي أيضًا نقرأ رواية لفرانسيس سكوت فيتزجيرالد The Great Gatsby ”"، وتحتوي هذه الرواية على العديد من المشاهد التي تلعب فيها السيارة دورًا هامًا، منها الحوادث التي تؤدي إلى تطورات درامية، وتُعتبر السيارة رمزًا للثراء والمكانة الاجتماعية، وكذلك للمأساة المحتملة، وعلى حدّ علمي أنك حذر جداً في سياقة السيارة لذلك فإن تاريخك كله لا يحتوي إلا على حوادث قليلة وبسيطة بالسيارة، وأكثرها أن يقع الخطأ من الآخرين وليس منك، وقد كان لك مع السيارة الكثير من مواقف الهروب من المشاكل وبعض العقبات الصعبة، تماماً كما تظهر رواية“ Catcher in the Rye ”لج. د. سالينجر، حيث وصفت الرواية السيارة كمكان للحرية والراحة للشباب، حيث يقوم البطل هولدن كولفيلد برحلات قصيرة بالسيارة للتفكير والهرب من واقعه المعقد، وقد كانت السيارة بالنسبة إليك أيها“ المسك" في بداية تعلّمك إثارة وتوتراً حيث مشاعر الخوف والقلق المصاحبة لأول تجربة قيادة، ثم في المرحلة الثانية تحولت إلى إحساس بالحرية، حيث تجربة الانطلاق والتحكم في هذه وسيلة مواصلات توفر حرية الحركة والاستكشاف، ولا تنسى رحلاتك المتعددة بالسيارة إلى معالم سيهات لاكتشافها واكتشاف ما حولها من قرى القطيف وتاروت ودارين وصفوى ورأس تنورة والجبيل ومن ثم الأحساء وكذلك وصلت إلى الرياض والحدود الشمالية، والمدينة المنورة، إضافة رحلات البر وشواطئ الخليج كشاطئ نصف القمر وشاطئ العقير بالأحساء، ومن فوائد سياقتك للسيارة الترابط العائلي والاجتماعي، حيث تعتبر ذكريات التعليم من قبل الأهل أو الأصدقاء كما هو الحال مع صديقك السائق الهندي الذي يعمل مع والدك في مؤسسته في تلك المرحلة من عمرك عندما كنت في المدرسة النموذجية المتوسطة، ولم تنس حتى الآن شعورك بالفخر عند النجاح بسياقة السيارة كما ذكرت لي، وكل الحالات التي ذكرتها كانت بمثابة التغيرات الشخصية، والانتقال من مرحلة الطفولة إلى الشباب والنضج، وتحمل المسؤولية، وتظل ذكريات تعلّم القيادة لديك علامة فارقة تمثل الانتقال والنمو الشخصي، وتعبر عن قيم مختلفة مثل الحرية، المسؤولية، والاستقلالية، مما يجعلها موضوعًا جذابًا ومتكررًا في مختلف الثقافات والأدب.

المسك:

- من طريف ما أتذكره في هذا الموضوع، عندما حصلتُ على الرخصة المؤقتة، كنت أقود السيارة السوبربان الخاصة بالعائلة، وكان معي أحد الأصدقاء وعلى ما أتذكره كان هذا الصديق هو الأخ خالد الرميح، أحد زملاء الدراسة في المتوسطة، وكنت أتجول في القطيف، ووصلنا إلى مستشفى القطيف المركزي، في حي الشويكة، ومن هناك أردت الانعطاف من نفس الشارع لأعود إلى سيهات، وصادف أن كان في نقطة الرجوع للخلف سيارة المرور، وأحد رجال المرور كان واقفاً ورغم أنه لم يسألني عن أي شيء لا عن الاستمارة ولا عن الرخصة، إلا أنني من شدة فرحي بالرخصة أخرجتها له وقلت له: لديّ رخصة إن كنت ستسألني عنها.. فابتسم رجل المرور، وأشَّرَ عليّ بالعبور.

فضحك زميلي خالد، وقال:

- هو لم يطلب منك أي وثيقة، لماذا أخرجت له الرخصة.

فقلت له:

- أحببت أن أتباهى برخصة القيادة.

فتعجب زميلي خالد وضحك ضحكة خفيفة.