ربطة خبز
في عام 2011 م، كانت السنة الأخيرة لفتاة صومالية تدرس في جامعة دمشق على نفقة سوريا، وفي المحاضرة الأخيرة لها، شكرت الأستاذ الدكتور وأخبرته أنها ستعود إلى أهلها بعد أيام قليلة..!
فردّ عليها الأستاذ: خذي إلى أهلك ربطات خبز!!
فضجّت القاعة بالضحك..! لأن أثمن هدية تُهدى لجائع هي ربطة خبز..!! ما كان يعنيه الدكتور: أنك أيتها الطالبة النجيبة الناجحة، راجعة إلى فقراء جائعين، وفرحهم بربطة الخبز أهم عندهم من شهادتك الجامعية..!..
أشعرتها كلماته، وضجيج القاعة بالضحك، بالخجل والخزي.. وتضاءلت، متوارية عن نظراته، وهي تجلس صامتة في كرسيها..! بات من اليقين أن الناس لديهم أسباب كثيرة تمنعهم من مشاركة الفقراء فرحهم..! وأن الفقير فرحه كحزنه لا يقبل القسمة على اثنين..! أدركت أن الدكتور كان، لمدة أربع سنوات، يرى فقرها وفقر أهلها قبل أن يرى وجهها، أو عقلها، وتفوقها..!
وإنها بعد تفوقها العلمي ونبوغها، لا زال أستاذها يعيّرها بفقرٍ قدّره الله عليها من لحظة الميلاد..! ولا تعرف وجه الحيلة فيه، ولا سبيل الخلاص منه..! أسوأ البكاء هو ذلك الذي يجب أن تُخفيه عن الناظرين إليك، لأنه يُظهر ضعفك لمن لا يرحمك، ويُضمر الشماتة بك..! ظلّت صامتة كجريان الماء في عروق الأرض، وانصبت ضحكات القاعة وسخرية الأستاذ في أذنيها..!
وغادرت القاعة آخر من غادر..! وغادرت مطار دمشق أول من غادر إلى الصومال، مهيضة مكسورة القلب…! الناس تكذب عامدة حين تدّعي أن العين التي تنظر بها إلى الفقير هي ذاتها العين التي تنظر بها إلى الغني..!!
والناس تكذب حين تدّعي أنها تحب الفقراء بذات القلب الذي تحب به الأغنياء..! القرب من الفقير محفوف بتوجّس الطلب منه، والقرب من الغني فيه أمل العطية والطمع لما في يده..!
وجرت الأيام في تبدّلها، ومقادير الله في رحمتها وعقابها، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: آية 140]. وابتليت سوريا، وفُرض عليها الحصار والتجويع.. وبعد عشر سنوات من سخرية الدكتور وطلابه بزميلتهم الصومالية…!
كتبت الطالبة ذاتها رسالة مفتوحة للدكتور في منصة ”إكس“، حيث لا تستطيع الوصول المباشر إليه:
«أنا طالبتك، صاحبة ربطة الخبز لأهلها الجائعين… في ضيافتي أربع أسر من دمشق أحسنوا مثواي وضيافتي حين كنت طالبة في دمشق..! وقد أخبروني أن أثمن ما تتمناه في يومك هو ربطة خبز، ربما عجز راتبك عن قيمتها لشهر كامل»..!
الشماتة عقوبة مؤجلة..! والسخرية من الضعيف سخط لن تموت حتى يصيبك، واحتقار العاجز ذلّ لن تقدر على صرفه عن نفسك..! غاية ما في الأمر هو وقت الاستيفاء، ووقت الاستحقاق..!
حين يخبرنا الله تعالى أنه يذل من يشاء… ويعز من يشاء، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: آية 26]، إنها ليست مشيئة عمياء بلا بصيرة، وليست مصادفة بلا هدى، بل هي استحقاق عدل.. طغيان نفوسنا يستدعي ذلها وهوانها، وتواضعها للناس وخضوعها لربها، يُجلّلها الله تعالى بالعز والكرامة..!
كل حال نحن عليه مؤقت، وكل نعمة نحن فيها قابلة للزوال والتبدل، والقوة تنقلب ضعفًا، والضعف يتحول إلى قوة..! والصحة في أعماقها كل الأمراض الممكنة..!
وإن الله تعالى دائمًا يخبرنا أننا بلا حول ولا قوة، وأنه ليس لنا من الأمر شيء…!
ويكفي دعوة واحدة من مظلوم… لتفقرك..
ويكفي شماتة واحدة بضعيفٍ عاجز.. ليجرّدك من كل ملكك، وكل أسباب قوتك..!
وإن قلبًا تكسره.. كافٍ لتُذلّ بسببه وتُخزى..!
بعض الخطايا ليست بحاجة إلى تكرار، لتنال عقوبتها، أو لتُفتضح بها..!
كلمة واحدة..
وشماتة واحدة..
وضعيف واحد.. تقهره..
ويتيم.. تُعرض عنه..
كافية لجعلك مستحقًا للذل والسلب..!
في هذه الوقائع، نكتشف أن فعلاً واحدًا، وربما كان صغيرًا، يستوجب الرحمة العظمى، وأن فعلاً واحدًا أو كلمة واحدة قد تُفضي إلى إعراض الله عنّا، وإبعادنا عن سبل رحمته..
لا تهدم بيت الله.. ثم تدّعي الصلاح أو تطلب الرحمة..!
إن الله في قلوب عباده..
ولا تعلم أي قلب هو فيه..
ولو كسرت قلبًا الله نازل فيه..
فقد هدمت بيته..!
.. لا تكسر قلب أحد.. ولا تشمت بأحد.. ولا ترَ نفسك خيرًا من أحد.. وتيقّن أنك مستعار، وكل ما عندك عارية مستردة..! فلربما وجدت نفسك أعجز من ربطة خبز كنت تُعيّر بها من هو بحاجة إليها، فتعجز عنها، ولا تقدر عليها..