آخر تحديث: 3 / 4 / 2025م - 8:41 ص

عندما تُبتلع الحقوق ويُنسى الحساب

عماد آل عبيدان

من المشاهد المتكررة في حياتنا أن ترى من يغالي في التزامه بالمظاهر الدينية، فيحرص حرصًا شديدًا على صومه فيمتنع عن أقلّ ما يُشك في أنه قد يُفسد عليه ذلك الصوم، فتراه يُبالغ في تفادي قطرة ماء قد تُلامس شفتيه، لكنه في الوقت ذاته يتهاون في أكل حقوق الناس وكأنها أمر هيّن، لا يدرك أن ما يُفسد الأخلاق والدين أشدّ خطرًا مما يُفسد الجسد أو العبادات الظاهرة.

هذه الازدواجية تكشف خللًا في فهمٍ عميق لمقاصد الدين وأولوياته. فالإسلام لم يأتِ ليُثقل على الناس بأحكام ظاهرية مع إهمال جوهر العدل والأمانة والإحسان. بل إن الشريعة جاءت لترسيخ هذه المعاني قبل غيرها، فجعلت للحقوق وزنًا ثقيلًا في ميزان الأعمال، يُحاسب عليها المرء بصرامة بالغة يوم القيامة.

الحقوق في ميزان الإسلام

لقد حذّر النبي ﷺ من خطورة التهاون في حقوق الناس تحذيرًا شديدًا. ففي الحديث الشريف يقول النبي ﷺ:

“أتدرون ما المفلس؟”قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال:“المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار”. «رواه مسلم»

إن هذا الحديث يُجسّد صورة مروعة لِمن ظنّ أن صلاته وصيامه وزكاته كافية لنجاته، بينما حقوق الآخرين تظلّ دينًا عليه لا تُمحى إلا بأدائها أو بتحمل تبعاتها في الآخرة.

بين الورع الزائف والورع الحقيقي

الورع الحقيقي ليس هو التشدد في ظواهر العبادات مع التساهل في الظلم وأكل الحقوق، بل هو التوازن بين العبادة الحقّة وسلامة الضمير وحفظ الحقوق.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: آية 90]

فالعدل هنا هو حجر الأساس في التعاملات بين الناس، والإحسان هو الصورة الأسمى لهذا العدل؛ فكيف يُغفل أحدٌ عنه بدعوى التدين؟

الأثر النفسي والاجتماعي

الإنسان الذي يُفرط في حقوق الآخرين يعيش في دوامة من القلق والاضطراب النفسي، وإن حاول إخفاء ذلك وراء قناع التقوى الزائف. فالضمير المُثقل بالديون المعنوية والمادية لا يهنأ بطمأنينة حقيقية.

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن انتشار هذه الظاهرة يؤدي إلى شيوع الظلم وانعدام الثقة بين أفراد المجتمع، حيث يشعر الناس أن التديّن الظاهري قد أصبح غطاءً للتجاوزات الأخلاقية، مما يُضعف تأثير القيم الدينية في حياتهم.

البُعد الاقتصادي

من أعظم مظاهر أكل الحقوق انتشار الفساد المالي، والاحتيال على أموال الناس، مما يؤدي إلى انهيار المجتمعات اقتصاديًا. إن انتشار هذه الظاهرة يُهدد الاستقرار المالي ويُعمّق الفجوة بين طبقات المجتمع.

قال تعالى:

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: آية 1]

والمطففون هم الذين ينقصون حقوق الناس عمدًا، سواءً في البيع والشراء أو في الالتزامات والعهود.

مفهوم التقوى الحقيقي

التقوى ليست مجرد الامتناع عن المفطرات في رمضان، بل هي حالة شاملة تشمل الخوف من الله في كل تصرف. فمن يُدرك أن الله يُراقبه لن يجرؤ على ابتلاع درهم حرام، تمامًا كما يخشى ابتلاع قطرة ماء تُفسد عليه صيامه.

قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: آية 88-89]

فالقلب السليم هو القلب الخالي من الظلم والعدوان وأكل الحقوق.

نظرة للمستقبل

إن بناء مجتمعاتٍ سليمة نفسيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا يبدأ من زرع مفهوم العدالة في النفوس، وغرس الخشية من الله في كل حركة وسكنة. فكما يخشى الإنسان على طهارة عبادته، عليه أن يخشى على طهارة ذمّته، لأن أكل الحقوق لا يُمحى بدمعة ندم ولا باستغفار عابر، بل يُحسم يوم الحساب بتسديد تلك الحقوق من حسناته، وهي أثمن ما يملك العبد عند الله.

نبضٌ أخير

إن الدين ليس طقوسًا تُمارس بمعزل عن الأخلاق والحقوق. فمن خشي على صيامه من قطرة ماء، فليخشَ على آخرته من أكل حقوق الآخرين. فالله عز وجل لا يقبل من العبد عبادةً طاهرة إلا إذا كانت مصحوبةً بقلبٍ طاهرٍ ونفسٍ نقية.

قال النبي ﷺ:

“المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”. «رواه البخاري»

فلنكن ممن يسلم الناس من أيدينا وألسنتنا وأموالنا، فإن كان خوفنا من إفساد صيامنا كبيرًا، فليكن خوفنا من إفساد آخرتنا أعظم وأشد.